منذ ثلاثة أو أربعة أعوام كنت أمر بجوار سور سجن المنصورة العمومي، وأنظر إلى من بالداخل يهيأ لي أني سوف أرى السجناء يلعبون كرة القدم في الباحةِ الخلفية المطلةِ على الشارع أو حتى أراهم وهم يعبئون أكياس الخبز المحمص التي اشتهر بها السجن منذ عشر سنواتٍ ربما.
لم يدر بخلدي يوماً أن أدخل هذا السجن ولو زائراً، لكن هكذا هي الأيام، دُوَلٌ، تمر الأيام ويعتقل أخي الأصغر إسلام ويحكم عليه بالمؤبد، ويصير الذهاب إلى السجن من مفرجات الحياة وبهجتها، فهو المكان الوحيد الذي تلتئم فيه فرقه أسرتنا بعد الشتات، شتت الله شمل الظالمين وأعوانهم.
لم أنشأ في أسرة ميسورة الحال، كنا مع الكثيرين نسير على غير هدى نطلب الرضا من الله والستر والعافية، لا نبغي سوى قوت يومنا، وما يسد حاجه التعليم والعلاج، وكنا نجابه كثيراً لامتلاك هذا الحق البسيط في العيش والله كافينا، وكلما ضاق بنا الحال أقول يا الله هذا أسوأ ما قد نمر به يوماً، بالتأكيد لا يوجد أسوأ من ذلك حتى ضاقت بنا الدنيا، وضاقت علينا الأرض بما رحبت، رأيت الأسوأ وصرت على يقين بأن السوء لا آخر له، هكذا هي الأيام دُوَلٌ.
هي الأيامُ والغِيرُ ** وأمرُ الله يُنتظرُ (أبو العتاهية)
من بداية ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وأنا أعيش تخبطاً يشاركني فيه الكثير ممن هم في مرحلتي العمرية، فقد طرنا مع أيام يناير الأولى حتى عنان السماء، رأت أحلامنا الجنة، ووددنا لو أقمناها على الأرض في موطننا العزيز، أحب البقاع إلى قلوبنا – حين ذاك – ومن ثم بعد عامين ونصف من العناء والشقاء والسعي الحثيث المتواصل لجعل بلادنا جنة، كان السقوط المدوي، السقوط الذي أخذ معه الأخضر واليابس من أحلامنا وآمالنا في الحياة على هذه الأرض، السقوط الذي أحرق حياة كريمة كانت تلوح في الأفق وشعور بالحرية لم نكن نعرفه من قبل، كنا كالثمالى من بعد انتصار، ركنّا غير عابئين بما تحيكه لنا الأيام، فهكذا هي دُوَلٌ.
ما بين غمضة عين وانتباهتها ** يغير الله من حال إلى حـال (مسفر ابن مهلهل)
الـتـغـيـيـر
الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير المستمر، سنه الله في الكون، وحينما يحدث التغيير نكون دائماً غير مستعدين فتأخذنا المفاجأة غير مصدقين ولا مستوعبين، يعمّنا الذهول، فتكون النتيجة تخبطاً كاملاً ووقتاً طويلاً حتى نستعد لنقف ونواجه ونقاتل، ربما ببعض الاستعداد المسبق قد نكون أقوى في مواجهة التغيير أياً كان.
الدنيا سعي ومثابرة وإعداد دائم واستعداد مستمر، لا مجال فيها للراحة والدّعة ومن منا يأخذه هواه وتلهيه نفسه يفيق على ما لا يسره، فلا تركنوا إلى الدنيا وتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتنعون ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون، قليل من الإعداد والاستعداد يقي من تقلبات الدنيا ونوائبها وما نرى وما نمر به خير دليل.
كيف يكون الإعداد والاستعداد؟
في البداية يجب أن نكون على يقين أننا وإذ نحن على طريق الإعداد لمجابهة الحياة والخوض في غمارها غير عابئين بمن حاد عن الطريق ومن لها فنحن نأخذ بالأسباب التي بأيدينا أما ما في الغيب ويعلمه الله فالله كافينا إياه.
بداية الأمر يجب أن تكون عودة إلى جوار الله، ما اشتدت علينا الأزمات إلا لانشغالنا بالدنيا عن الآخرة، والآخرة خير وأبقى، وكل عودةٍ لغير الله لا تدوم، وكل طريق لغيرِ الله لا يصل، أتشتكي من الحُزن الدائم المتواصل! أتقلبات الدنيا عليك تقتلك لا فرح يطالك ولا فرج؟! أمَا وأن لذّةَ القربِ من الله والله لا يضاهيها لذّة ولا نعيم بالحياة إلا بقربهِ، أما وإن كل محرومٍ من قربة محروم وكل بعيدٍ عنه بعيد، من ذاق عرف، إن عرفت فالزم، وإن لم تعرف بعد فلمَ التواكل والبعد وباب الود موصول؟!
أمَا وإن تخطيت البداية فكل ما بعدها هين، وليس كل هين سهل المنال، ولكن بالسعي والمثابرة.
“اعمَلوا، فإن السّاعي يرى مَبلغَه بعين القلبِ يقيناً لا تخالطه شائبة، لا يضرّه انكسار الشّوكةِ وبُعد المأملة وشقاءِ السّبيل إلّا كما يضرُّ ظلّ القمر كبدَ الشّمس.
فهو ذو بالٍ على ما يلقى، وحسبةٍ تخفّف قيظ النّهار وبرد المساء، وله في الدروبِ دروبٌ توشكُ أن تصل به قبل أن يصِل، فهو في طلبِ العُلياء في علياء، وفي أملِ الظّفر في ظفرٍ وحُسن مآب” سلمى أمين.
ويكون ذلك إعداد النفس، فنفسك كما تربيها فإن ربيتها على الوصلِ وصلت وإن ربيتها على التركِ تركت، فازرع بها ما يعينك على ترك ما لا ينفعك ولو كرهاً، وعودها على قول الحق وطلبه، ومنع الظلم وأهله، وزدها فإن خير الزاد التقوى.
أمَّا إعداد البدن فهو شقان متلازمان: أحدهما غير ذي نفع دون الآخر إلا كرهاً، الأول تدريب العقل بطلب العلم، وكل العلوم مهمة فانظر إلى أيها تميل، وإلى أيها ذي نفع لك ويخدم مقصدك في الحياة، وارسم طريقك وسِر، لا يفل من عزيمتك طول المسير ولا بعد الموصِل، ولا يقعدك انقضاء الوقت، أبداً لا ينقضي إذا بدأت، ما تأخر من بدأ، ولا خاب من سعى.
الثاني تدريب البدن على الجهد والتحمل والمثابرة، ما صار تدريب البدن مطلباً إلا لانتشار الكسل والتخمة وقلة الحركة، وهي صفات لا تتوافر في ساعٍ مقاتل على جبهات الحياة الكثيرة، بدنك أيضاً على ما تربى عليه، فإن تربى على الكسل والتخمة أقعدك، وإن تربى على الجهد والحركة أعانك، فانظر أيهما أنفع وأبقى.
إذن.. ثلاثة أشياء عد نفسك بهن تكن أقوى في القتال والمواجهة والسعي، وهو أمر صار حتماً في زماننا هذا، ثلاثة أشياء يقمن صلبك ويشددن عودك وقت العواصف، نحيا بعضها تائهين متخبطين لا سبيل نرجو ولا طريق، حان الوقت لنستعد؛ ليكون التغيير منا لا علينا، لا نأسى على ما فاتنا، ولا نحزن على ما أصابنا، نمضي بعزم من الله وقوة، غير عابئين بطول الطريق ولا مشقَّته فلقد أخذنا بالأسباب وأعددنا أنفسنا وتهيئنا، فليحدث ما يحدث، جملة تقال مع كل خطبة جمعة لا نلتفت إليها ربما لكنها الدرس الذي يجب أن نعيه جيداً “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً” في النهاية، الله نرجو.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.