صنع الصور والبطولات الزائفة

في ظل الأوضاع المأساوية التي تعيشها البلاد من ارتفاع الأسعار وثبات الأجور، وارتفاع نسب البطالة.. إلخ، يخرج علينا الكثير من المسؤولين بتصريحات تدعو إلى التفاؤل، وتقول إن كل شيء على ما يرام، وإن مصر في طريق التقدم والانتعاش الاقتصادي، وحقاً لا أدري ماذا يعنون ويقصدون؟ هل يقصدون انتعاشاً اقتصادياً لمصر وشعبها أم انتعاشاً اقتصادياً لهم ولذويهم؟

لقد سمعنا التصريحات والبيانات الإعلامية عن المشروعات القومية التي ستحسن دخل المواطن، فسمعنا على سبيل المثال أن قناة السويس الجديدة ستزيد إيرادات قناة السويس بنسبة 300%، في حين يشير الواقع إلى انخفاض إيرادات قناة السويس بنسبة 4.1% خلال عام 2016.

نسمع التصريحات بأن “الدولار هيبقى بـ4 جنيه” في الوقت الذي يتجاوز فيه الدولار حاجز العشرين جنيهاً، نسمع عن اكتشاف حقول للغاز من أكبر اكتشافات حقول الغاز على مستوى العالم، وعن منجم السكري للذهب الذي ينتج بملايين الدولارات في العام، نسمع عن مؤتمرات للتعليم والتنمية و”مصر تستطيع” وما نلبث أن نجد كل هذا “فنكوش”.

فما الذي يحدث؟ هل يعد ذلك تزييفاً للوعي كما يقول ماركس، أم أنه لجوء للكلمات التي تصنع الصور الزائفة والبطولات الزائفة؟ ولماذا يحدث؟ هل هو “قلة الحيلة” أم “ضعف التفكير” أم “ضحك على الدقون”؟

دعوني أسمي هذا الذي يحدث بصنع الصور والبطولات الزائفة، ودعوني أقول إن المجتمعات تلجأ إلى هذا النوع من الأساليب “لقلة الحيلة”، وانسداد الأفق وضياع قيم العمل والإنجاز.

إن المجتمعات حين لا تجد إنجازات حقيقية تقوم بالتهليل والتصفيق للإنجازات الصغيرة وتسويقها على أنها اختراع للعجلة، تلقي الحكومات باللوم على الآخرين -للانسحاب من المسؤولية- الذين يعرقلون مسيرتهم، يصنعون دوماً حول أنفسهم أساطير البطولة ويقدمون أنفسهم دوماً على أنهم مثال للفداء، وأنهم هم “الهيرو” أو السوبرمان”.

إن صنع الصور والبطولات الزائفة لا ينسحب على المجتمعات والحكومات فحسب، بل ينسحب أيضاً على الأفراد، فالأفراد حين لا يجدون إنجازاً فإنهم يبدأون في صنع الإنجازات الزائفة ويسوقون “وهماً” أو “صوراً زائفة” عن أنفسهم، تجدهم كثيري الحديث عن الذات وإنجازاتها، والتفخيم في هذه الإنجازات، ويميلون إلى الكذب والادعاء أكثر مما يميلون إلى قول الحقيقة.

يتحلقون حول إنجازات الآخرين، يتفاخرون بغيرهم ويبحثون عن الآخر المكمل لهم، الآخر الذي يدارون فيه نواقصهم، ويكملون به ذواتهم ويتباهون به أمام الآخرين، ينتجون الهويات الفردية، التي يتحامون فيها فتجدهم يعرفون أنفسهم على أنهم أقرباء فلان أو أصدقاء فلان، أو آباء فلان فاسمه “أبو محمد” أو “أبو حسين”، ويتشبثون بمصطلحات العائلة والقبيلة فهم من عائلة “فلان” أو من القبيلة “الفلانية”، ذلك لأنهم بحاجة إلى “عزوة” يشعرون من خلالها بالأمان ويدارون فيها نواقصهم، يتعصبون لأقربائهم على حساب الحق والعدل؛ لأنهم يحسبونه الآخر المكمل لهم والداعم لأبنائهم من بعدهم.

تجدهم دوماً يستدعون الماضي ويعيشون على فتاته ورفاته، فينشرون صورهم في عام 2010 وأنهم حصلوا على الجائزة “الفلانية” أو حضروا الندوة العلمية “الفلانية” أو ظهروا في حلقة تلفزيونية في 2010 في برنامج “كذا”، ولكن أين أنت في 2016، فلا حياة لمن تنادي.

ينشرون صورهم مع هذا أو ذاك ممن تصل إليه أجسادهم فخورين بنيل هذا الشرف العظيم، ولقد تعجبت دوماً من طوابير البشر التي تقف لتلتقط صورة مع هذا الفنان أو ذاك الممثل أو ذلك الشاعر، أو تلك الطوابير التي تقف لتحظى بشرف السلام على “فلان” أو “علان”، وأيقنت بعد هذه اللحظات أن الأمور يعود مكانها إلى عدم وجود ما يفتخرون به أمام أنفسهم وأمام الآخرين، وهم لا حول لهم ولا قوة، يذكرونني بالمثل الشعبي القائل “القَرعة بتتعايق بشعر بنت أختها”، ولا أدري ما سر هذا الفخر، فالفخر كل الفخر لهذا الشخص الذي بمجهوده استطاع أن يجعل البشر يصطفون للسلام عليه.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top