قلق عشر سنوات منصرمة هل تتبعها عشر من الأسف مقبلة؟
ماذا تنتظر الشعوب العربية من الأمم المتحدة؟
عشر سنوات مضت من القلق المتلاحق، كانت العنوان الأبرز لعالم اتَّسَمَ بالصراعات المتتالية التي لا تكاد تهدأ بمنطقة حتى تبدأ ملامح نشوبها في أخرى، ولعل أبرز الصراعات في العالم تلك التي التهبت في المنطقة العربية بدءاً من عام 2003؛ حيث كانت بداية الفوضى في العراق التي لم تنتهِ حتى اللحظة، مُمَهِّدة التربة الخصبة لتهيئة المنطقة العربية بأكملها لصراعات داخلية وإقليمية وشبه دولية، وأخرى باتت ترتسم في الأفق، والتي قد تدور رحاها حول منطقة الخليج العربي، مما سوف يزيد المنطقة المشتعلة لهيباً، التي لم تجد من يطفئ نارها، في حين تخلى الجيران عن بعضهم في محاربة الفوضى التي أشبه ما تكون بداء معدٍ سرعان ما سوف ينتشر في كل أنحاء المنطقة.
أما الشعوب العربية التي طالما تعلقت آمالها بالحلول الأممية، وعلى رأسهم الأمم المتحدة، للعيش في سلام بعيداً عن الحرب والدمار والخوف، ولسان حالهم يقول: نحن الذين شعرنا بالأمان حين تعلمنا في مدارسنا منذ الصغر ماهية الأمم المتحدة، وما جاء في ديباجتها التي تقول: نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، وأن نبيّن الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح.
تأمل الشعوب العربية موقفاً من الأمم المتحدة يوازي صلاحيتها وآمال وتطلعات شعوب الأمم المتحدة التي أصيبت بالإحباط من قلق الأمم المتحدة المتتابع على لسان أمينها العام السابق السيد بان كي مون، خلال السنوات العشر الأخيرة، مع تخوف كبير من موقف مماثل من الأمين العام اللاحق في السنوات المقبلة، الذي يعني تعطيلاً لدور الأمم المتحدة في القضايا الجوهرية والمصيرية للشعوب في المنطقة فيما يصب لصالح إحدى الدول الخمس صاحبة الفيتو.
عشر سنوات من القلق مضت
تتمتع منظمة الأمم المتحدة التي أنشئت في عام 1945 بطابع دولي خاص يمكنها من العمل على المستوى الدولي في القضايا التي تواجه الإنسانية، مثل قضايا السلم والأمن الدوليين، ونزع السلاح والإرهاب، وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا الدولية، وفقاً لصلاحيتها المخولة في الميثاق، بينما يعتبر الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أعلى موظف إداري للمنظمة.
عشر سنوات حِقْبة الأمين العام للأمم المتحدة المنتهية أمانته لمنصب الأمانة العامة للأمم المتحدة، واظب فيها السيد بان كي مون على الشعور بالقلق حيال مختلف الصراعات الداخلية والدولية ومختلف الأحداث في العالم الملتهب موقف شهده العالم أجمع من المنظمة الأولى عالمياً من حيث القوة والنفوذ والتأثير، الأمر الذي لاقى كثيراً من الانتقادات على الصعيد الشعبي والرسمي، وقد اتهمت المنظمة بأنها باتت تزيد الأمور تعقيداً، بدلاً من إيجاد الحلول لها، ولا سيما الحساسة والمصيرية منها.
فالمسؤولة في مكتب خدمات المراقبة الداخلية المكلف بمكافحة الفساد في الأمم المتحدة، السويدية “إينغا – بريت الينوس” قدمت تقريراً اتهمت فيه الأمين العام السابق مون بإعاقة عامة متهمة إياه بالتواطؤ في ملفات فساد داخل المنظمة وعرقلة أي تحقيق يسعى لمواجهة الفساد وكشفه. “إينغا – بريت الينوس” التي قدمت استقالتها من مهامها سنة 2010 بعد خمس سنوات من الخدمة، قالت: “إن أعمال بان كي مون ليست مؤسفة فقط، بل تستحق العقاب”.
وفي السياق ذاته انتقدت منظمة هيومان رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2010 متهمة المنظمة بان كي مون بأنه “تردد بشأن الضغط على الحكومات القمعية لوقف انتهاكات حقوق الإنسان”، كما أنها لفتت الانتباه إلى “فشل الدول المفترض أن تكون المدافعة عن حقوق الإنسان والانتهاكات والوقوف في مواجهة الحكومات القمعية وجاء في التقرير أيضاً أنه لا يوجد خطأ في استخدام الحوار والتعاون لتعزيز حقوق الإنسان”، ولكن هناك خطر من أن يكون الأمر “مجرد تمثيلية لتهدئة الأوضاع دون إحداث تغيير”.
يذكر على الصعيد الشعبي ما شهدته المغرب؛ حيث ذكرت BBC في 14 مارس/آذار 2016 مشاركة نحو مليون متظاهر في مسيرات جابت شوارع العاصمة المغربية الرباط يوم الأحد احتجاجاً على التصريحات التي أدلى بها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول الصحراء الغربية، والتي استخدم فيها كلمة “احتلال”، في حين ذكرت صحيفة العرب: مغردون يسخرون من “قلق” بان كي مون المربح، وأكدوا أنه يتقاضى حوالي 35 ألف دولار شهرياً؛ ليقوم بأسهل مهمة وهي “القلق”.
ويبقى التساؤل المطروح على الطاولة هل تقتصر مهمة الأمم المتحدة على القلق أم هي انعكاسات لضغوط الدول الخمس القوية في منظمة الأمم المتحدة على قرارات الأمين العام؟ أم أن الانتقادات التي واجهتها منظمة الأمم المتحدة خلال حِقبة السيد بان كي مون تعود لوجود أمين عام ضعيف لا يرغب في أن يكون حازماً بما فيه الكفاية؟
غادر السيد بان كي مون منصبه مودعاً شعوب الأمم المتحدة وهو قلق قلقاً شديداً، حسب ما جاء على لسان الناطق باسمه ستيفان دوجاريك “الأمين العام ينقل قلقه البالغ إزاء الأنباء عن ارتكاب فظائع بحق عدد كبير من السكان المدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال، في الساعات الأخيرة في حلب وقد كلف مبعوثه الخاص إلى سوريا بالمتابعة العاجلة مع الأطراف المعنية”.
عشر سنوات مقبلة
تتحمل الجمعية العامة في الأمم المتحدة مسؤولية تعيين الأمين العام بناء على توصية مجلس الأمن، لفترة زمنية تحدد بخمس سنوات قابلة للتجديد، والجدير بالذكر أن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن يمكنهم استخدام الفيتو للاعتراض على مرشح منصب الأمانة العامة، وهل يعني هذا مدى تأثير أو تأثر قرارات الأمين العام بالدول الخمس روسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة؟
خلف السيد مون لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بعدما رشحته الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي رسمياً وبالإجماع، وأوصى أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم 193 دولة بتعيينه لمدة 5 سنوات بداية من يناير/كانون الثاني 2017.
السيد أنطونيو غوتيريس البالغ من العمر حالياً 67 عاماً شغل منصب رئيس وزراء البرتغال من عام 1995 حتى عام 2002، ومن ثم انتقل غوتيريس الذي يتحدث البرتغالية والإنكليزية والإسبانية والفرنسية بطلاقة إلى الحياة الدبلوماسية الدولية، حين تسلم مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين في عام 2005 حتى عام 2015، وهي الفترة شاهدتها أخطر أزمات اللاجئين في العالم، كان من أبرزها قضية لاجئي سوريا.
قلق عشر سنوات مدبرة هل تتبعها عشر من الأسف مقبلة، الأمر الذي لا تتمناه شعوب الأمم التي بدأت تشهد أسف الأمين العام الجديد على القضايا التي ورثها من سلفه مون، والتي أبدى فيها أسفه، والتي كان آخرها الثلاثاء 7 فبراير/شباط 2017 في بيان أن القانون الإسرائيلي الجديد الذي “يشرع” الاستيطان يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، وأعرب أنطونيو غوتيريس عن “أسفه الشديد”.
الجدير بالذكر أن السيد أنطونيو غوتيريس، ومنذ توليه الأمانة العامة، يعمل بشكل مخالف لنظيره السابق، باحثاً عن الحلول في القضايا المصيرية، مدافعاً عن الفقراء في العالم، ومطالباً بحقوقهم؛ حيث قال إن المجاعة ستضرب عدداً من البلدان، منها اليمن والصومال، إذا لم يتم التحرك الآن للتصدي للأسباب التي تدفع إلى ذلك، الأمر الذي يعيد للأمم المتحدة دورها الفعال، وهو ما تتمناه شعوب الأمم المتحدة من منظمتهم.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.