ليلة براءة مبارك

“قضت محكمة النقض المصرية، المنعقدة في أكاديمية الشرطة، يوم الخميس الماضي، ببراءة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في قضية قتل المتظاهرين.

بهذه الكلمات زفَّت الجرائد المصرية البشرى لأعداء الحرية في مصر والعالم، فبعيداً عن الدلالة الواضحة التي نستخلصها من المكان التي أصدرت منه المحكمة حكمها، والذي قد يذكرك بقول المتنبي: “فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”، إلا أن هذا الحكم يعد حكماً تاريخياً بكل المقاييس، وستختلف الزوايا التي سينظر منها المهتمون بالشأن المصري والعربي لدلالة هذا الحكم.

فمن ناحية سينظر البعض لهذا الحكم كمسمار أخير في النعش الذي يظنون أنهم وضعوا فيه ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، والتي أصبح مجرد ذكرها ومدحها -ناهيك عن الانتساب إليها- من الأمور المجرَّمة في مصر، بعد أن تمت شيطنتها عن طريق الإعلام المصري، وعن طريق الضغط على الناس لدرجة أنهم أصبحوا ينسبون لها كل مصيبة حدثت وتحدث في البلد.

ومن ناحية أخرى أكاد أتخيل الارتياح الذي سيستقبل به الحكم من طغاة ومستبدي العالم، الذين تحسسوا رؤوسهم برعب بعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني في مصر، والقبض على المخلوع حسني مبارك، ووقوفه بذلّ في قفص الاتهام، فليهنأ بالهم الآن وليقتلوا شعوبهم بلا قلق، وليستبدوا كما يشاءون، فوصفة استيعاب الثورات والقضاء عليها أصبحت معروفة، وطالما أنك أخلصت في إفساد مفاصل دولتك كحاكم مستبد، فلا تنتظر أن تدينك هذه المفاصل التي صنعتها على عينيك.

أصبح الطغاة يظنون الآن أن التاريخ نفسه لن يستطيع أن يشوه صورتهم؛ بل الأحرى بي أن أقول إنهم يظنون أن التاريخ لن يستطيع أن يعرف الناس حقيقتهم، فها هي أحداث الأمس القريب التي حدثت أمام أعيننا جميعاً تزوَّر وتبدل بوقاحة غريبة، فمبارك الذي عاث فساداً في بلدنا لمدة ثلاثين سنة، استطاع خلالها أن يفسد كل شيء في مصر، استطاع أن يقتل كل شيء جميل في بر مصر، مَن منا يستطيع أن ينسى المبيدات المسرطنة التي نشرت السرطان في مصر بصورة غير مسبوقه؟ مَن منا الذي يستطيع أن ينسى عبَّارة السلام التي غرقت عام 2006 وهي تحمل على متنها 1310 مصريين؟ وغيرها وغيرها، عشرات بل مئات الجرائم ارتكبها هذا الرجل في حق مصر لن أستطيع حصرها ولو سوّدت آلاف الأوراق.

بعد كل هذا يحاول البعض أن يصور مبارك في صورة الزعيم الضحية الذي تآمر العالم الشرير ليسقطه، ولكن الله سلَّم، وكشفت حقيقة الخطة الجهنمية، وأثبت القضاء بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن مبارك بريء من قتل الثوار، مَن قتلهم إذاً؟ لا إجابة، ماذا نقول لذويهم؟ لا إجابة.

خرج علينا بالأمس إعلامي معروف بعدائه الشديد لثورة يناير/كانون الثاني وحبه العميق للمخلوع مبارك ودفاعه المستميت عنه قائلاً: “إن براءة مبارك اليوم أكدت أن المصري انضحك عليه 6 سنوات”، هل تتصور هذه البجاحة؟! لا أريدكم أن تندهشوا عندما تجدوا تصدّر أفلام وثائقية عن بطولات مبارك وإنجازاته، ومدى الظلم الذي وقع على الرجل، ولا تستغربوا أيضاً إذا سمعتم تصريحات لمبارك نفسه يقول فيها إنه غير غاضب من الشعب، وإنه يسامحهم على الرغم من الظلم الذي وقع عليه!

أما أهالي الشهداء ورفاقهم فلا أجد من الكلمات ما يوصف حالتهم بعد سماع هذا الحكم، وآثرت أن أترك للقارئ تخيّل مشاعرهم، وذلك لأن بعض المشاعر لو عبَّرنا عنها بالكلمات فإننا نفقدها جلالها بهذه الكلمات مهما كانت محكمة الصياغة متينة البناء.

رحم الله شهداء ثورة الخامس والعشرين من يناير وما بعدها من مشاهد، وانتقم ممن قتلهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top