ماذا وراء براءة مبارك؟

قضت محكمة النقض، الخميس الماضى، ببراءة الرئيس المخلوع حسني مبارك من تهمة قتل المتظاهرين أثناء الأيام الأربعة الأولى من ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، ولا شكَّ على الإطلاق في أن هذا الحكم لا يشوبه أي من مظاهر العدل، وذلك لأنها لم تكن محاكمة من الأساس، بل هي مجرد مسرحية قضائية جديدة؛ لأننا جميعاً عاصرنا تلك الأحداث ولدينا تسجيلاتها بالصوت والصورة، ناهيك عن نتائج لجنة تقصي الحقائق التي أقرت بأن الرصاص الذي استقر في أجساد الشهداء والمصابين هو رصاص جهاز مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الداخلية في عهد المخلوع مبارك،

وناهيك أيضاً عن شهادة اللواء عمر سليمان أمام النيابة العامة التي قال فيها إن الرئيس المخلوع مبارك كان على علم تام بكل رصاصة أُطلقت على المتظاهرين منذ اندلاع ثورة يناير، وأيضاً كان على علم بأعداد القتلى والمصابين، ولكنَّ هناك سؤالاً هاماً وراء تلك البراءة؛ لأن تبرئة مبارك من تلك التهمة لم تبرئه من غيرها، فهو قد صدر ضده حكم نهائي بالسجن ثلاث سنوات عقوبة إهدار المال العام في قضية قصور الرئاسة، وهذا يعني أنه كان لصاً سرق أموال الشعب.

مَن المستفيد من الحكم؟ وما الهدف من تبرئة المخلوع مبارك من تلك التهمة تحديداً؟

المستفيد الوحيد من هذا الحكم هو النظام الحاكم الحالي بقيادة الجنرال؛ لأنه يعتقد أنه بهذا الحكم قد حقق انتصاراً على ثورة يناير وزجَّ بها في كبوة جديدة يمكن أن تطول شيئاً ما، ويمكن أن تستفيق منها بسرعة، والهدف هو زرع قيم الهزيمة داخل نفوس أبناء ثورة يناير حتى يصل بهم إلى مرحلة اليأس التام من تحقيق أي تقدم للثورة أو التغيير السياسي السلمي، أو التحول الديمقراطي للسلطة التي قامت لأجلها ثورة يناير، فهو يعلم أن من أهم أسباب اندلاع ثورة يناير هو كسر حاجز الرهبة من النظام الحاكم، ونزع قيم الهزيمة من قلوب الشباب وتبديلها بقيم التحدي والإرادة،

والانفصال التام بين جيل ثورة يناير والجيل الذي سبقه، وحينما تم هذا الانفصال لم يستطِع نظام المخلوع مبارك نقل مسرطنات العبودية السلطوية المقننة دستورياً والخضوع الترهيبي للسلطة، وتقديس المناصب والحكام والرموز إلى الجيل الجديد، فعصفت أول انتفاضة له بالنظام الحاكم في عدة أيام.

كما أن النظام الحالي أراد أن يكسر شوكة كل من شاركوا في ثورة يناير، وفقدوا أصدقاءهم باختلاف توجهاتهم، مستغلاً مبدأ قانونياً يحظر محاكمة متهم في قضية واحدة مرتين، ويفقدهم أمل الحصول على حقهم في العدالة والقصاص لشهدائهم؛ ليتجمدوا في أماكنهم، ويتركوا أنشطتهم، ويتوقفوا عن مضايقته في السلطة.

لكن هذه المحاولات بائسة وحتماً ستفشل، فالشباب في أعمار العشرين عاماً الذين يتظاهرون ويحتجون في هذه الأيام منذ ستة أعوام حينما نشبت تظاهرات ثورة يناير كانوا أطفالاً، وهذا يعني أن جيل يناير بدأ في توريث الفكرة للأجيال المتعاقبة حتى لا تفنى، ومواجهتها بالقوة الأمنية أصبحت أمراً صعباً مقارنةً بعهد الراحل جمال عبدالناصر، وهذه السياسات فقط ستزيد إشعال الصراع بين السلطة والشباب ولن تحد منه.

علينا أن ننظر إلى الأمور من أفق أوسع، وألا نسير كما يريد أن يُسيرنا قائد غرفة عمليات الثورة المضادة، وندرك أنه لا توجد ثورات في التاريخ أكملت طريقها مستقيماً من دون كبوات أو انتكاسات، فلدينا في الثورة الفرنسية عبرة، فقد وصلت بها الكبوات إلى إعادة الأسرة الحاكمة إلى سدة الحكم مرة أخرى في حين من الأحيان، فالتمسك بالمبادئ التي اكتسبناها من ثورة يناير المجيدة وإعادة ترتيب الصفوف، وتأجيل سائر الخلافات القائمة، والإحساس أكثر بالمسؤولية الوطنية، وتوحيد الجبهات والكلمة، وإحسان قيادة المعركة القادمة هي الحل للخروج من هذه الأزمة وتخطي هذا التعثر المزمن،

فما زالت الفرصة أمام شباب الثورة، فهذا الحكم جاء تمهيداً للقضاء على ثورة يناير واغتيالها، ولكن هذه تهمة واحدة، وهناك العديد من التهم التي ارتكبها نظام المخلوع على مدار ثلاثين عاماً من الحكم، سيحاكم عليها بمحاكمات عادلة حينما تتولى الثورة مقاليد الحكم، وتصنع بيئة تشريعية وقضائية نقية مستقلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top