– وقعت “فيينا”، عاصمة النمسا، في قبضة الأتراك لمدة شهرين عام 1683، في قلب الحصار، ظهرت شخصية مغامرة يدعى “كولتشسكي”، قيل إنه أرميني يعيش في فيينا، ويتحدث العربية والتركية، نجح في اختراق الحصار، وفتح الطريق أمام الحلفاء، بعد أن تنكر في زي واحد من الأتراك؛ جاء بمعلومات كان لها الأثر في استرداد النمساويين لبلادهم وحريتهم.
* جاءت لحظة المكافأة.. أكياس مكتظة بالحبوب الغريبة التي تركها الأتراك بعد انسحابهم، هكذا طلب المغامر البولندي الأصل أن يكافأ، عاش وهم الظن يداهم الجميع أنها طعام للجمال، وكانت هذه الحبوب هي حبوب “البن”، أو القهوة السوداء التي استنشقها أنف هذا المغامر البولندي في مغامراته وأسفاره إلى الشرق العربي والتركي.. فالذوق الغربي لا يستسيغ أي شيء على حد وصف “كولتشسكي”.
* شعار المرحلة (اعرف عدوك حتى تهزمه)
أضاف التحلية هذا المغامر لتلك الحبوب الغريبة، وصنع نوعاً من الفطائر على شكل “هلال”، وكان هذا شعار الإمبراطورية الإسلامية العثمانية المهزومة؛ حتى يأكلها الناس في أوروبا ويشعروا باللذة في التهام شعار الدولة، التي وصلت إلى بلادهم، وعرفت هذه الفطائر فيما بعد باسم “الكرواسون” الذي نلتهمه جميعاً!
فالشعب لا يختار مشروبه الأساسي المفضل إلا إذا كان مدفوعاً بقوة داخلية على حد وصف “ياكوب بوركهارت”، أحد أعمدة الثقافة السويسرية؛ لهذا تضاعف الهوس الغربي بمحظيات الشرق، وراحوا يحتسون القهوة التي كانت حكراً على الطبقات الأرستقراطية، ومن ثم حامت حولها خيالات الفقراء!
فالمشروب القومي لكل بلد يعبر عن طبيعة ومزاج الناس فيه، وعلى نفس الوتيرة المحروسة “مصر”، نشتهر بشراب السكينة والصمت المستمد من الصينيين، شراب الأغلبية المطحونة، التي استسلمت للامبالاة، وغرقت في الحرمان والإحباط المزمن (الشاي).
* علاقة الترابط بين القهوة والثورة
لقد تأكدت هذه النظرية بما لا يدع مجالاً للشك عبر المؤرخ الفرنسي “ميشليه”، فعلى المقهى توطدت العلاقة بين القهوة والثورة، وخرجت بذور الأفكار والأيديولوجيا الثورية إلى النور، شارك المقهى في صنع واتخاذ قرارات لإحدى أهم الكتل السياسية التي آثَرَت وقلبت موازين تاريخ مسرح السياسة العالمي.. “الثورة البلشفية”، أو بالأحرى أول دولة شيوعية في العصر الحديث.
– في أحد أركان مقهى “فولتير” بمدينة زيورخ قبع الثائر الشيوعي لينين في صميم هالات الدخان، يكتب مقالات صارخة كان لها الأثر في القضاء على النظام القيصري.
– عام 1908.
– المكان: ميدان طلعت حرب، وسط القاهرة، تحديداً “مقهى ريش”.
– الزمان: لم يكن حال الثورة في مصر بعيداً، “مقهى ريش” الذي تداولت ملكيته من ألماني إلى فرنسي انطلقت من عليه أسراب ثورة 1919 مُندّدة بالاحتلال البريطاني، بل إن الجهاز السري لجماعة اليد السوداء التي قامت ببعض الاغتيالات كان أفراده يجتمعون على (ريش)، وكان المُعلن منهم يحرض على الثورة على غرار ما يحدث بالمقاهي الفرنسية.
(الثورة مثل القطط دائماً تأكل أولادها)
– من وسط القاهرة إلى الضواحي الفرنسية تحديداً “مقهى لورجنيه”، موائد ذلك المقهى، أو بالأحرى “قطع الشطرنج” صاغت قصة صنعت قانوناً يعد أحد أهم قوانين الحرية في فرنسا، بشهادة موثقة من مفكري التنوير الذين عاصروا الثورة الفرنسية.
“روبسبير” من أعمدة الثورة الفرنسية كان من المولعين بلعب الشطرنج على المقاهي، ذات يوم حملت الأرض جمالاً طاغياً بباطنه امرأة، وفي ظاهره شخصية متنكرة في زي غلام، وجلست تلاعبه الشطرنج وراهنته على رأس خطيبها الذي كان محكوماً عليه بالإعدام، وشهد الرهان ثنائية التنوير الفرنسي (مونتسكيو وجاك روسو)، وكسب الرهان الجمال المتنكر، وصيغ قانون يحرم دخول الشرطة إلى المسقوفة على ألف عمود “باليه رويال”، وكانت منطقة عامرة بالمقاهي وأيضاً لهواة مطاردة الفتيات.
المقهى شخصية إبداعية بذرتها ذات صبغة سورية، عام 1555 تحديداً مضيق البوسفور بتركيا، كانت اللبنة الأولى لأول مقهى أدبي بواسطة اثنين من التجار السوريين، وكانت انطلاقة المقاهي الأدبية إلى أوروبا عبر هذا المضيق البحري.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.