العرب بين العرش والمنبر.. بنظرة الطائر

لو أن أحدنا أغمض عينيه وتخيل للحظات أنه طائر يحلق بفضاء العالم العربي؛ ليلتقط صورةً معبرة عن معالم الوضع الراهن في أنحاء الوطن الكبير، فلا شك أن خطوط الصورة ونقاطها ستكون متداخلة متشابكة إلى حد كبير، وذلك ما يجعلها تبدو مظلمةً غائمة.

ولكن إذا تركنا للطائر الذي قام بالتقاط الصورة مهمة القيام بشرح تفاصيلها، وذلك حتى يتسنى فهمها للآخرين.
يقول الطائر:
– في وطني العربي حالة من الصراع المتعدد الأطراف بحيث لم ينجُ منه أحد، وقد وصل ذروته في ظل ثورات الربيع العربي، فداخل الأنظمة توجد عدة صراعات، أهمها صراع الأجنحة القائم على امتداد المصالح ثم الولاءات، وهذا صراع الكبار، ثم صراع انتقال السلطة المرتقب الذي تتحكم فيه مراكز القوى، وكلا الصراعين على مرأى ومسمع من المراكز الأقوى في العالم، والحسم متوقف على مدى الولاء لمراكز القوى العالمية.

ثم صراع الأنظمة بكامل أنواع الصراعات داخلها مع الجماعات والفصائل والأحزاب بغية القضاء عليها أو تهميشها وأحيانا استخدامها في تنفيذ بعض المآرب.

– صراع تلك الجماعات والفصائل والأحزاب مع بعضها البعض من الداخل “إما لحمل راية القيادة لأجل معتقد أو القيام بدور مرسوم لها من مراكز القوى”، ثم صراعها المعهود مع الأنظمة.

– صراع أفراد المجتمع -الذي يغذيه الإعلام- من خلال الجدال في حلقات النقاش اليومية حول الولاءات والأولويات، وغالباً يُفضي ذلك إلى لا شيء؛ لأنه لا أحد يملك من الأمر شيئاً.

يقول الطائر:
والمحصلة من ذلك كله هو الدولة الفاشلة التي لا تسقط ولا تقوم، فلا هي تقوم فتحمي شعبها، ولا هي تسقط فيبعث الله من يقيمها.

هذا الواقع المرير يجعلنا نطرح سؤالاً، وأعتقد أنه يدور في أذهان الملايين، هو: ما الحل؟
– أقول: عام 2013 في أحد البرامج التليفزيونية سُئِلَ الأستاذ محمد حسنين هيكل عن الصراعات الدائرة في المنطقة العربية، فقال: يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة مهمة من التسويات، وذلك إما أنه كان تنبؤاً أو إعلاناً منه.

وقد أثبتت الأيام صحة ما قاله هيكل، ففي الفترة الماضية بدأ الحديث عن أمر التسوية الشاملة في منطقة الشرق الأوسط، التي تقوم على بناء دولة فلسطينية في غزة وسيناء بدلاً من الضفة الغربية، وذلك تمهيداً للسلام الشامل.

يدل على ذلك ما عبر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مؤتمر صحفي عُقِد بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في السادس عشر من فبراير/شباط الماضي، قائلاً: “ستكون هناك عملية سلام شاملة تضمن قطعة أكبر من الأرض وتتضمن إشراك حلفاء عرب فيها”.

– ورغم ذلك ما زال الصراع العربي القديم دائراً داخل الوطن الكبير، مبادرة تنسخ أخرى، ووعد ينسخ آخر، ونازلة اليوم تُنسينا نازلة الأمس، وأعداء الأمة لا يغفلون للحظة عن الإيقاع بها في شرك الانتكاسات يوماً بعد يوم.

– وقد يكون الحل الأمثل والدواء الشافي لهذه الحالة المرعبة التي نعيشها في “معادلة عربية شاملة ترسم العلاقة ما بين العرش والمنبر، السلطة والدعوة”.

– وقد يقول قائل: كيف نتوصل إلى صياغة هذه المعادلة في ظل هذه الظروف القاسية التي ستؤدي حتماً إلى ظلم طرف للطرف الآخر؟
أقول باختصار: حتى يتسنى لنا صياغة تلك المعادلة فلا بد أن يتصالح أهل الدعوة أولاً مع دعوتهم ثم مع أنفسهم على اختلاف مدارسهم الفقهية، وأن يلتقوا على ما اتفقوا عليه من الأصول والفرعيات.

ثم إعلان الأنظمة العربية استعدادها الكامل لأن تجلس وجهاً لوجه مع ممثلي الفصائل والجماعات، ثم دعوة يتبناها حكماء الأمة العربية تدعمها الشعوب من المحيط إلى الخليج لإجراء مصالحة شاملة كبرى ما بين الجماعات والفصائل المعتدلة بمختلف مدارسها وبين حكام أو ممثلي الأنظمة العربية دون تفرقة للجلوس على طاولة واحدة “في غرف مغلقة بعيداً عن وسائل الإعلام” لصياغة تلك المعادلة، بما يتوافق عليه جميع الأطراف والأطياف، وبما تقتضيه الظروف التي تمر بها المنطقة، ويضمن انتقال الشعوب العربية من مرحلة الصراع والتدمير إلى مرحلة البناء والتعمير، وبما يضمن مواجهة الخطر القادم الذي يهدف إلى تقسيم الدول العربية إلى دويلات صغيرة متحاربة.

قد يكون التصور خاطئاً، ولكني أعتقد اعتقاداً جازماً أن الحل الأمثل للعالم العربي كله يكمن سره في المسافة المضروبة ما بين العرش والمنبر، ولن تنجو السفينة إلا إذا اتفق الحاكم والعالم على السير في طريق يرسمان معالمه معاً بعيداً عن حالة الفوضى التي نزلت بالأمة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top