انتفاضة من أجل العيش أم “زغزغة” من قِبل الجيش؟

“العدو يكمن في الداخل، وما بالداخل يبقى في الداخل، لا تستطيع إخراجه”.
الكاتب الأميركي آرثر ميللر
***

مثّلت ما تسمى “انتفاضة العيش” تغيراً نوعياً في مسار العلاقة بين الانقلاب العسكري والشعب المصري عموماً، وبينه وبين أنصاره خصوصاً؛ فتوصيف هذه الانتفاضة أمنياً يرعب أي نظام يخشى على استمرار حكمه. إنها مظاهرات غير فئوية، لأسباب غير سياسية، بعيداً عن متلازمة الانقلاب والشرعية، لا يمكن حصرها جغرافيا؛ بل في أكثر من محافظة على مستوى الجمهورية.

ورغم تشابه اسمها مع انتفاضة الخبز عام 1977 (والتي كانت أشمل وأقوى وأعنف)، فإن هناك ما يدفعنا إلى اعتقاد أن هذه المظاهرات، ورغم احتوائها على أناس غاضبين بحق، لأسباب واقعية بحق، كانت موجهة وتم توظيفها، إن لم تكن مفتعلة من الأساس!
***

1- أزمة مصر سياسية وليست اقتصادية!
أصل الأزمة في مصر يرجع إلى حقيقة توصيف الصراع فيها؛ هل هي سياسية أم اقتصادية؟ والحقيقة التي لا مراء فيها أن أزمة مصر سياسية، وليست اقتصادية، وأن الأزمة الاقتصادية فيها مجرد انعكاس للأزمة السياسية، وأن حل الأزمة الاقتصادية فيها يحدث بشكل تلقائي إذا تم حل الأزمة السياسية.

وحل الأزمة السياسية في مصر يكون بأحد أمرين لا ثالث لهما؛ إما الشرعية، وإما الرضا الشعبي عن الديكتاتورية. وقد حاول السيسي شرعنة انقلابه بموافقة “الإخوان” ضمناً عليه؛ بالمشاركة في حكومة ما بعد الانقلاب، أو قبول الرئيس مرسي بالخروج بمخصصات رئيس جمهورية، أو قبول التصالح مع الانقلاب، وهو ما فشل فيه السيسي فشلاً ذريعاً.

لم يبقَ أمام السيسي إلا الرضا الشعبي عن الديكتاتورية التي يؤسسها، مستحضراً نموذج عبد الناصر في مخاطبته للشعب، رغم تأثره الشخصي بالسادات أكثر من عبد الناصر، وسبق أن قال في تسجيل مسرب له أنه حلم بالسادات.

كانت الرسالة التي يقولها السيسي للشعب وقتئذ: “أنا ديكتاتور، ولكني سأبني بلداً قوياً مثلما كان عبد الناصر ديكتاتوراً وبنى بلداً قوياً” (من وجهة نظرهم).

ومع القرارات الاقتصادية الأخيرة، بدأ السيسي يعاني نزيفاً حاداً في هذا الرضا الشعبي، إلى الحد الذي جعل السخط الشعبي يصل إلى قطاعات كانت مؤيدة له بشدة، ما يعني فشل السيسي في حل مشكلته السياسية، بعدم حصوله على الشرعية، ولا على الرضا الشعبي.
***

2 – حلول رفضها السيسي أثارت غضب شركائه
ومع الأزمة الاقتصادية التي ضربت الخليج جراء انخفاض سعر النفط، وتوتر العلاقات مع الخليج لأسباب عدة (آخرها فقط قضية الجزر)، لم يجد السيسي أمامه إلا صندوق النقد الدولي، ليقرضه بشروطه الجشعة المعروفة، التي تجعل أقوى الاقتصادات تشرف على الإفلاس.

بدأ ناقوس الخطر يدق عند مدبري هذا الانقلاب؛ أن استمرار الأوضاع على ما هو عليه سيؤدي إما إلى انهيار وإما إلى انفجار، وهو انفجار لا أحد يعلم حجمه ولا عنفه ولا النتائج التي سيؤدي إليها.

تصاعدت الدعوات لرحيل السيسي بشكل دستوري في الغرف المغلقة، مطالبين إياه بإعلان عدم ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة 2018، ثم انتقلت هذه الدعوات من الغرف المغلقة إلى كبريات الصحف العالمية، مثل الايكونومست ذائعة الصيت، والتي تنبأت بسقوط مبارك قبل الثورة بـ6 أشهر، والتي طالبته علناً بعدم الترشح. (رقم 1 في المصادر)

كما ذكرت جريدة “العربي الجديد” وكذلك “العرب” القطرية ومصادر أخرى، أن قيادات عسكرية قابلت السيسي بشكل شخصي وعرضت عليه بشكل مباشر قضية عدم الترشح، والخروج بأي مميزات يريدها، وتصويره على أنه المنقذ من الإخوان، لكنه رفض رفضاً شديداً. (رقم 2 في المصادر)
***

3- صراع أجنحة يظهر على السطح
ومع خروج السيسي من الجيش، ورغم وجود نسيبه رئيساً للأركان، فإن فريقاً لا يُستهان به هناك بدأ يطرح نفسه بديلاً، وسط أحاديث عن علاقة هذا الفريق بعنان مرة، وأحمد شفيق مرة أخرى.

وبدأ صراع محموم بين هذين الفريقين عبَّر عن نفسه في مرات عدة، وتناولناها في وقتها، منذ التسريبات التي خرجت للسيسي وأركان حكمه، مروراً بإقالة قائد الدفاع الجوي الفريق عبد المنعم التراس، الذي كان قريباً للغاية من شغل منصب رئيس الأركان قبل أن يحجز السيسي المنصب لنسيبه اللواء حجازي، ثم تفجير البطرسية الذي فُسِّر على أنه محاولة لإحراج النظام مع الأقباط.

وعبّر عن نفسه أخيراً في الصراع المحتدم بين السيسي والقضاء، باغتيال وائل شلبي تارة، والرد بالحكم الصادر بمصرية تيران وصنافير تارة أخرى، ثم الصدام مع الأزهر في قضية الطلاق الشفوي، وهذه الأريحية التي يتحرك بها خالد علي ومن معه دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منهم (تذكَّروا أن الرئيس الفرنسي طلب أن يكون خالد علي موجوداً بالاسم في لقائه السيسي).

ومع إحساس السيسي بأنه يفقد دعم الجيش، بدأ يبحث عن رديف سياسي يرجح كفته في معركته لتمديد فترة الرئاسة، وإنقاذ الأوضاع قبل الانفجار، فلجأ إلى محاولة التصالح مع “الإخوان” مجدداً، عبر عروض جدية للتصالح معهم، رفضها “الإخوان” بكل وضوح، ثم محاولة التصالح مع رجال الحزب الوطني الذي بدأ السيسي يوقن أنه ليس أمامهم.

بدأ التقارب بين السيسي ورجال مبارك منذ التعديل الوزاري الأخير، الذي شهد عودة عدد من وزراء مبارك وكذلك المحافظين، كما خرج في أسبوع واحد زهير جرانة وزير سياحة مبارك (لخطأ في الإجراءات)، ورئيس ديوانه زكريا عزمي، وهشام طلعت مصطفى (إفراج صحي)، هذا غير خروج مبارك نفسه بالطبع. (رقم 3 في المصادر)

وفي أسبوع واحد أيضاً تقريباً، زار السيسي كلية الشرطة (زيارة مفاجئة طبعاً) في حضور وزير داخليته، كما زار مقر أمن الدولة في يوم اقتحامه نفسه بعد الثورة، في رسالة شديدة الوضوح عن التقارب الجديد بين السيسي ورجال مبارك، والأجهزة الأمنية التي كانت مواليةً لمبارك. (رقم 4 في المصادر)

ومع حدوث ما سمي انتفاضة العيش، رأينا سيارات “الشرطة” هي التي نزلت لتوزيع العيش على المواطنين لأول مرة، وليس سيارات الجيش، في تحوُّل منطقي بعد إقالة وزير تموين الجيش، والمجيء بوزير تموين مبارك.

ورأينا أحمد موسى (التابع للمخابرات الحربية) مستاءً للغاية من نزول الشرطة لتوزيع العيش، ويقول بعصبية إن هذه ليست مهمتهم! وكأنها كانت مهمة الجيش حصراً من قبل! في المقابل، فإن الجيش بدا بعيداً تماماً عن المشهد، وتصدّت الشرطة فقط للمتظاهرين، رغم قطع المتظاهرين طرق الترام وسكك الحديد، ومحاصرتهم مكاتب التموين وبعض مؤسسات الحكم المحلي بالمحافظات، في جرأة غير معهودة!

كما بدأنا نرى التغير على السيسي في الإعلام بشكل غير طبيعي، يوضح طبيعة صراع الأجنحة الذي تشهده مجموعات السلطة الآن. وهذا التغير هو ما جعل الكثيرين في الشوارع والبيوت يعلمون بما جرى في انتفاضة الخبز، التي وصلت أخبارها لأناس ما كانت ستصل إليهم دون توجيه مخابراتي في الإعلام والشوارع، ما عمق من شعور الناس بالغضب.

وبدلاً من أن يخرج الوزير لتهدئة الناس، خرج ليستفز الناس أكثر بقوله إنه سعيد لأن الناس لم تجد الخبز، وإن أحداً لن يلوي ذراع الحكومة، في تصريحات تشعرك بأنهم معزولون عن الواقع وحجم الغضب في الشارع، مثلما عزل السيسي نفسه مبارك وفريقه وخدّرهم من قبلُ في أثناء الثورة، فرأينا تصريحات غريبة منهم؛ مثل: “خليهم يتسلوا”، و”نوزع عليهم البونبوني”!
***
الخلاصة:
هناك أزمة حقيقة، والغضب في قلوب الناس مكتوم، ويتصاعد، لكن الناس تتحرك بأريحية مستغربة، على أناس قبلت بقرارات أقوى من ذلك بكثير (التعويم ورفع الدعم عن البنزين)!

والملاحظ، أن هذه الأزمة حدثت بعد بدء حملة في برلمان الانقلاب لتعديل الدستور وتمديد فترة رئاسة السيسي ومدد ولايته، (رقم 5 في المصادر)، ما يعني عدم حدوث انتخابات رئاسية في العام المقبل من الأساس، وهو ما يتخوف منه الكثيرون، ولا سيما الفريق الواقع في خصومة مع السيسي ويريد رحيله دستورياً، وهو فريق في الجيش كما أسلفنا، يريد زغزغة السيسي، أو “زعزعة” مخططاته للاستمرار في الحكم.

كما حدثت هذه الأزمة بعد التخلص من النائب عصمت السادات في البرلمان وإسقاط عضويته، وهي الخطوة التي رأتها نيويورك تايمز جاءت فقط؛ منعاً للسادات من الترشح في الانتخابات المقبلة. (رقم 6 في المصادر)

وهذا التحرك يتزامن مع تسريبات كثيرة لعرض من السيسي بتوطين الفلسطينيين في سيناء، وهي تسريبات تحرقه ولا تخدمه، كما تتزامن أيضاً مع فقدان حليف السيسي حفتر في ليبيا موانئ الهلال النفطي المهمة استراتيجياً.

كما يتزامن هذا التحرك مع تقرير من البرلمان البريطاني يطالب الحكومة البريطانية صراحةً بفتح حوار مع الإخوان (وليس فقط تبرئتهم من العنف)، وهي رسالة سياسية شديدة الوضوح من العاصمة السياسية الأهم في أوروبا والأكثر درايةً بالشأن المصري؛ بأن “الإخوان” موجودون في مستقبل مصر السياسي على أقل تقدير، وأن رهانهم على السيسي كان خاسراً، والاستمرار في الرهان عليه يضر بمصالحهم على المدى المتوسط والبعيد.

أتمنى أن يزداد الغضب الشعبي في مصر، وأن تنجح قيادات الثورة في توظيفه وتوجيهه في إطار صراع شامل مع انقلاب عسكري غاصب، وليس من أجل مطالب جزئية أو مرحلية أو هامشية، مثل التراجع عن قرار نقص حصة الفرد من الخبز، والذي إن حدث يكون السيسي وقتها أفضل حاكم أتى على مصر.. أفيقوا يرحمكم الله!

#أحمد_نصار

***
مصادر:
1- الإيكونومست: تخريب مصر.. السيسي يؤجج الانتفاضة القادمة
https://goo.gl/Gb4Yj4

2- قيادات عسكرية تطالب السيسي بعدم الترشح في انتخابات 2018
https://goo.gl/VBSThI

3- براءة زهير جرانة وزكريا عزمي وهشام طلعت مصطفى في أسبوع واحد ثم براءة مبارك
https://goo.gl/QuM0LA

4- زيارة السيسي لكلية الشرطة ثم مقر أمن الدولة
https://goo.gl/kFAvIk

5- حملة في البرلمان لتمديد فترة رئاسة السيسي
https://goo.gl/lqKUWU

6- نيويورك تايمز: طرد “السادات” قد يكون محاولةً لإبعاده عن “الرئاسة”
https://goo.gl/11NW4c

7- صفحة الكاتب على الفيسبوك
https://goo.gl/fgI3PN

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top