أيهما المر.. ديكتاتورية الخليفة أم بلح العسكر؟

“لا تكتفوا بثلاثة أطفال بل أنجبوا خمسة؛ أنتم مستقبل أوروبا”.. بهذه الكلمات خاطب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأتراك في أوروبا، وقال لهم أيضاً: “أناشد مواطني بلدي وإخوتي في أوروبا، المكان الذي تعملون وتعيشون فيه الآن هو وطنكم الجديد.. التزموا بحسن الأخلاق، وأسسوا المزيد من الشركات، وأرسلوا أطفالكم إلى مدارس أفضل، واقتنوا أفضل السيارات، واسكنوا في أجمل المنازل”.

يا صديقي: تلك الكلمات لرجل يوصف في الإعلام المصري والعربي والغربي بـ”الزعيم الديكتاتور” و”الخليفة العثماني”، و”جناب السلطان”، رغم أن الرجل تسلَّم تركيا شبه دولة من يد العسكر فجعلها دولة تناطح الدول ويريد لشعبها أن يكون أمة لا هملاً.

بلح العسكر
تصارعت بعض الأفكار برأسي، وتركت التفكير بأردوغان وشعبه وأحلامه، وفكرت في “عفرة” و”خيبة” و”وكسة” و”ذلة” و”ضعف” و”هوان” المصريين.

وتذكرت يا صديقي قادة مصر العظام الأشاوس سلالة وأحفاد الفراعين منذ 1952 وحتى اليوم، وكيف وعدوا الشعب بأطيب الثمار فأنتج وعدهم “بلح العسكر” زقوم المذاق، فاسد الطعم، يتحول لأشواك في الحلقوم، تمنع الدم أن يجري بالشرايين ومن قبله الماء والهواء، فدمر وعدهم أجيالاً وقتل زيفهم أحلاماً وحرم طمعهم الرضيع حق الحياة وسلب جبروتهم الشباب القوة والفتوة.

بلح خالد الذكر
وتذكرت كيف منع جمال عبد الناصر الزعيم خالد الذكر -كما يدّعي أنصاره حتى اليوم- الشباب من السفر إلى ألمانيا التي طلبت ملايين المصريين لتعميرها في الخمسينيات فعمرها الأتراك، وأغلق ناصر أبواب الوطن وأبقى الشباب يعيشون مرفوعي الرأس بوهم المنتصر، حفاة عراة بلا مستقبل، مسلوبي الإرادة فاقدي القدرة على فعل شيء في وطن قسمه إرباً ثم سلَّم فتاته للمحتل.

نخاسو الرئيس المؤمن
وعندما حاول شباب مصر أن يهرب بحلمه من وطن العسكر المسروق وينأى بجسده عن حقبة زعيم ملهم قهره بالحديد والنار، وألقى به في جب الفقر والجهل والتخلف والمرض والتبعية للشرق تارة والغرب أخرى، فلم يترك له حتى الجلباب ولا النعال، تاجر فيه يا صديقي، المفسدون والحرامية في عهد خلفه السادات -الرئيس المؤمن- كما كان يحب أن يطلق على نفسه.

فباعه النخاسون بخساً، وتركوه فريسة يمزقها وكلاء تجارة البشر في الخليج، وسقط في براثن “الكفيل”؛ ليهرب من نار النسر والكاب إلى جنة زائفة يحكمها أصحاب الغطرة والعقال؛ ليهرب من قوانين العسكر إلى قوانين عبودية وضعها سادة النفط؛ لينهبوه مثل حكامه ويظلموه كما كان في وطنه، فرفع بنيان الخليج بعرقه للسماء بينما هو يُسكن أبناءه العشش والمقابر ورغم مرارة الغربة لم ينَل إلا بضعة ريالات ودينارات ودراهم.

مبارك يسرق الحلم
عاد شباب مصر من الخليج بلقب حاج، وبمروحة وخلاط وتليفزيون ملون وجلابية بيضة وقطعتي قماش، فاقتطع من طين قراريط كان يقتات عليها ليبني بيتاً بدلاً من ذلك الطيني الذي تشاركه فيه الحيوانات، وتسرح فيه الحيات وتشغي فيه الزواحف والحشرات، وما تبقى من مال سرقه الريان والسعد وغيرهما، وفي النهاية -يا صديقي- سطت دولة مبارك على تركة توظيف الأموال وضاعت أحلام المغتربين في كروش البشوات.

الجنة الموعودة
ومع تأهل مصر لكأس العالم في إيطاليا عام 1990، بدأت أقدام الشباب تعرف الطريق نحو “الجنة الأوروبية الموعودة” فغزوا إيطاليا وفتحوا فرنسا وانتشروا باليونان وعبروا لإسبانيا، واستوطنوا هولندا، ووصلوا حتى الدول الإسكندنافية.

عاش أولئك الشباب بين الأحراش وناموا تحت الكباري، يلتحفون الثلج في الشتاء ويهربون من القتل برصاص المافيا كل لحظة، ومنهم من ضاع في براثن المخدرات والدعارة، ولكن في النهاية يا صديقي، حقق بعضهم نجاحات غير مسبوقة، وأقاموا شركات وأسسوا صروحاً، حتى سمع بهم ملايين الشباب القابع في الفقر يلهث خلف الأحلام؛ فقرروا الهجرة ولكن أبواب مطارات مبارك كانت دوماً مغلقة أمام الفقراء.

نخاسة مبارك
فما كان من الشباب الذي درس وتعلم ونال أفضل الشهادات بدم وعرق وجوع والديه ولم يجد لنفسه مكاناً بين الكبار، ولم يملك واسطة يصل بها لرتبة في الجيش أو منصب في الشرطة أو منصة قاضٍ أو قلم وكيل نيابة، أو عمل بالبترول والغاز والكهرباء؛ إلا أن يسقط -يا صديقي- في يد نخاسين من نوع جديد.

فسرق أولئك النخاسون ما بيد الصغار من مال حصلوا عليه من بيع أغلى ما يملكه أهلوهم، ليضعوهم بالآلاف فوق مقبرة تسير فوق الماء من يسقط منها يموت غرقاً وتضيع معه أحلامه في ثراء وعز ومستقبل وتعويض أهل عن سني الفقر والجوع.

أما مَن وصل منهم إلى بلاد الجن والملائكة والنور والنار والثلج والأشجار، فعيّره إعلام مبارك؛ وقال عنهم شباب متواكل، لا يريد أن يتعب يهرب من وطنه الذي يحتاج إليه؛ ليغسل الصحون ويجمع قمامة أوروبا، ويترك مصانع وطنه وأرض أجداده.

ولكن مِن الحب ما قتل!
في منتصف الطريق ملَّ المهاجرون -يا صديقي- تلك البلدان الباردة وحنّوا لأرض الطين والتراب واشتاقوا للذباب والناموس والقمامة، وقرروا العودة إلى أرض الوطن وكان أول شيء يفعلونه هو تقبيل أرض مطار القاهرة وذرف الدوع على جسد الوطن الحبيب.

وتم استقبالهم استقبال الفاتحين، ولم يعلموا -يا صديقي- أن الفسدة في انتظارهم، فخدعتهم الأذرع المفتوحة فحولوا الأموال وأقاموا المشروعات وأغروا شباب قراهم بمستقبل زاهر باهر معهم، ولكنهم بعد خراب مالطا اكتشفوا أن تلك الأذرع والأيادي الممدودة لم تكن للمصافحة والعناق، بل لسرقة “شقا عمرهم”، فمنهم من مات بجلطة، أو أزمة قلبية، أو فقد عقله وطاف الفيافي والوديان بجلباب مرقع يلملم الأوراق من الشارع ويعدها أوراق نقد بالملايين، ومنهم من تمالك نفسه وهرب نحو أوروبا من جديد بعد ضياع “تحويشة العمر”.

قتلوا من بقي!
ومن بقي من الشعب -يا صديقي- ولم يمت في مراكب الموت بالبحر المتوسط، قتله مبارك جوعاً وفقراً في العشوائيات والقرى والكفور والنجوع المهمشة.

من بقي -يا صديقي- قتله مبارك بعدما ترك الجهل ينهشه وضيع التعليم ومنع الإبداع، ورفع شأن الفنانين والراقصات ولاعبي الكرة، وتجاهل العلماء والمفكرين والمبدعين.
من بقي -يا صديقي- قتله مبارك بالمرض بعدما جلب له المفسدون الكيماويات المسرطنة وأصابوه بالوباء الكبدي والسرطاني والكلوي.
من بقي -يا صديقي- قتله مبارك بعدما سرق وأذنابه المال العام، وبوَّروا أرضه؛ ليقيموا مشاريعهم ولوثوا مياهه بمصانعهم.

آخر ملوك العسكر
ومن بقي من الشعب -يا صديقي- قتل آخر ملوك الدولة العسكرية حلمه في وطن حر يعيش له، وفي عيش كريم له ولأبنائه يحيا به، وفي عدالة اجتماعية تنهي ما عاشه أبواه من ظلم فتساويه بالأغنياء.

ومن رفض -يا صديقي- سرقة الحلم، ونطق بكلمة الحق ورفع رأسه أمام الباطل، أو لوح بيده لا للظلم أو أشار بقلم يفضح الفسدة، قتلوه بالرصاص والخرطوش والغاز، ووضعوه في غياهب السجون، وحرموه من أولاد وزوجة، وفصلوه من عمل أبدع فيه، واستولوا على مال كدَّ لأجله عمراً، ودمروا بيتاً يحمل الذكريات، وفي النهاية قالوا عنه “إرهابي وخائن وعميل”.

جنب الحيط
أما مَن هرب من الرصاص أو نجا من القتل والسجن والاعتقال -يا صديقي- فهو يسير بجوار الحائط خوفاً من السياط يتسول رغيف خبز غير آدمي، أو زجاجة زيت منتهية الصلاحية، أو كيس سكر مخلوط بالتراب، أو بضع حبات مسرطنة من الأرز والعدس والفول.

ومن بقي منهم -يا صديقي- فهو يسير بجوار الحائط ينافس القطط والكلاب في طعامها، ويبحث بين أكوام القمامة عن بقايا لحم في عظام ألقى بها جزار، أو أرجل دجاج نسيها فرارجي بين الفضلات، أو بقايا فتات طعام في أكياس البشوات، كي يطعم بها أبناءه.

لم يكتفِ سارقو أحلامنا الجدد مخلّصونا من الإخوان والإرهاب بما وصلنا إليه -يا صديقي- بل أقنعونا أن نقول الحمد لله على ذلك النعيم المقيم، وأغرونا بالثراء الفاحش، وبأيام السعد والهناء ببناء عاصمة جديدة وحفر قناة سويس ثانية، وعلاج بالكفتة؛ مقابل الصبر شهوراً فأخرى وأخرى ثم أخرى، بلا نهاية.

سوريا والعراق
وبينما هم يلبسون أفخر الثياب -يا صديقي- ويطعمون أغلى المستورد ويعيشون في القصور ويسهر على أمنهم آلاف الجنود، قالوا للفقراء: “نجوع وإيه يعني إما نجوع”، “ما ناكُلشي وإيه يعني؛ ما ناكُلشي”، “المهم ما نبقاش زي سوريا والعراق”.

ولم يكتفوا بذلك -يا صديقي- بل عايروا الشعب وقالوا له “قربتم على 100 مليون”، “كفاية خلفة وعيال”، “قرفتونا هنجيب لكم منين”، “معييش ومفيش”، “لو عايزين تاكلوا وتتعالجوا وتعيشوا في البلد دي، يبقى هتدفعوا يعني هتدفعوا”.

الخلاصة يا صديقي: أن “بلح العسكر طلع مُر”، بعدما وصلوا بأعظم دولة في التاريخ إلى الحضيض؛ حيث لا مكان لها حتى بين الأقزام، فمدت يدها لمن كانت تطعمهم، وأفقروا شعبها حتى أصبح أضحوكة الأمم، والمهم والأهم: هو أن يستولوا على التكية، ويطردوا مَن فيها بعدما حولوا سكانها لمجرد دراويش همل تابعين؛ لينعم العسكر وأبناؤهم وفقط.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top