حين بدأ الملك سلمان جولته في عدد من الدول الآسيوية والمملكة أمام ملفات مهمة وتاريخية في الداخل والخارج، التحدي الواقع في مدى نجاح خطط التحول الاقتصادي لا يقل أهمية عن التهديد الحاصل لأمن السعودية الإقليمي من قِبل إيران والميليشيات المسلحة التابعة لها، ولهذا بدت في زيارة الملك بوادر الاهتمام بهذه الملفات من خلال توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية مع ماليزيا وإندونيسيا، وكذلك تشديد الملك على مواجهة المخاطر الإرهابية في خطابه وحواراته مع قادة هذه الدول.
لا تبدو مثل هذه الزيارات عادية؛ إذ تجاوز الوفد السعودي الألف مسؤول في جولة تستمر حوالي شهر كامل، بالفعل لا يمكن لهذه الزيارة أن تكون كزيارات المشاركة أو التهنئة أو زيارات الجوار، بل لدولة من غرب القارة الآسيوية لها وزنها لدول مهمة في شرق القارة، وحتى حجم هذه الزيارة لا يمكن لدولة في غرب آسيا أن تأتي في مقام المملكة ويستقبل زعيمها مثل هذا الاستقبال في الدول التي تمت زيارتها،
وإذا كانت ظروف السعودية غير مريحة في المواجهة الجارية في اليمن وانطلاقها أيضاً نحو رؤية 2030 بخطوات حذرة وازدياد دور الميليشيات في المنطقة، فإن ما سيدفع الملك سلمان لجولة تاريخية في الشرق الآسيوي لن يخلو من آمال سعودية في تجاوز التحديات القائمة والنظر إلى دول الشرق بنظرة اعتبارية لوجود تجارب اقتصادية ناجحة، والبناء على أدوار سياسية إيجابية لهذه الدول، ربما مستقبلاً في المنطقة العربية.
لم يكن الملف الاقتصادي العنوان الوحيد لجولة الملك، فقد كان استهلال الزيارة بكل من ماليزيا وإندونيسيا ذا رمزية مهمة، فالدولتان تعدان من أكثر الدول الإسلامية تطوراً والأسرع نمواً، كما أن استقرار هذه الدول وعلاقاتها المتينة بالمملكة أضفى طابعاً سياسي الأهداف للزيارة، وهو الأهم في ظل تشتت موقف الدول الإسلامية تجاه قضاياها المشتركة في مواجهة العنف والاصطفاف أمام إضعاف كيانات الدول، ورغبة المملكة في حشد القوى الإسلامية لمواجهة مسببات الاضطراب وزعزعة الاستقرار؛ لذلك ظهرت الدبلوماسية السعودية في غير ثوبها الرسمي،
قاصدة الوجهة نحو شعوب هذه الدول في خطاب الملك لممثلي الشعب الإندونيسي، خلال كلمته أمام البرلمان الإندونيسي، وكذلك لقاؤه بعدد من أهل الفتيا في ماليزيا وشخصيات إسلامية أخرى، زاد الزيارة أهمية أكثر الاحتفاء الكبير من كلتا الدولتين بالملك سلمان، الذي قد لا يحظى به قائد أي دولة إسلامية أخرى، التكريم الذي لاقاه الملك أيضاً في فتح الجامعات له والبرلمانات، إضافة للقائه بأهل العلم وإلقائه عدداً من الخطابات يوحي بلا شك أن قيمة المملكة ومكانتها حاضرة لدى دول إسلامية مهمة، الفكرة هنا أن الطبيعة الدبلوماسية لهذه الزيارة، خاصة للدول الإسلامية، قد تكون من الزيارات القلائل التي يعتمد فيها قائد سعودي توجيه حديثه لبرلمان شعبي، ولقاءه بقيادات دينية، ومهما كانت حصيلة هذه الزيارات من توقيع اتفاقيات اقتصادية،
فإن الالتفات نحو الشعوب الإسلامية وقياداتها ومخاطبة أهل الفكر وأصحاب العقول فيها، خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، وبالرغم من مكانة المملكة الحاضرة دوماً في قلوب المسلمين، فإن الحضور الدبلوماسي السعودي المستمر للقيادات العليا في الدولة أمام شعوب دول إسلامية كبيرة، وديمومة التواصل بدول إسلامية بعيدة جغرافياً، يساعد في استعادة المملكة لقوتها الناعمة، والتجهيز لأدوات جديدة وعلاقات متينة، أمام مهددات الاستقرار ودواعي العنف في العالم الإسلامي.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.