1- “أما الصحفيون الإسرائيليون المشدوهون من المعاملة الكريمة التي أوليت لهم، فلم يكونوا يتخيلون أن شعباً عاش أهوال أربع حروب يسعه أن يتقبلهم بكل هذه الحفاوة؛ بل إن أحدهم، وهو صديقي أمنون كابليوك الذي كنت أصحبه في شوارع القاهرة، قد حاصره المارة وتجمهروا من حوله للسلام عليه حين علموا أنه إسرائيلي.ما من صاحب محل قبل بأن يحصل على ثمن التذكارات التي اشتراها صديقي لعائلته، وبعد أن انتهينا من تناول وجبة في مطعم شعبي ملاصق لجامعة الأزهر، أبى صاحب المطعم بمنتهى الحزم أن يقدم لنا الفاتورة، وقد نجح أمنون في كسب مودة محدثيه بسهولة، فهو يتحدث العربية بطلاقة ويناضل من أجل السلام”.
2- “إسرائيل ليست هي الخطر الآن، الخطر علينا الآن هو غزة”.
3- “نحن ملتزمون بجميع الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل، والحديث عن تغيير كامب ديفيد ليس له أساس من الصحة”.
ما اقتبسناه أولاً هو ما ذكره الصحفي السفير إريك رولو في كتابه “في كواليس الشرق الأوسط”، عن حال الشارع المصري فيما بعد خطاب الرئيس السادات في الكنيست الإسرائيلي، قبل أن تنكشف حقيقة التعنت الصهيوني لاحقاً، وتنهار آمال العامة في مصر على صخرة كامب ديفيد.أما ثاني الاقتباسات فهو نقلاً عن الطبيب الكاتب محمد أبو الغيط، على لسان اللواء سامح سيف اليزل، أثناء حوار أجراه معه قبل 30/6 إن لم تخُنّي الذاكرة.تأتي الثالثة ملخصاً لتصاريح الرئاسة في بداية عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي عن علاقات البلاد مع الكيان الصهيوني، وما أشيع عن نيته لطلب تعديل اتفاقية كامب ديفيد.
يتضح من الأمثلة المذكورة صورة عن حالنا مع الكيان الصهيوني بعد أربع حروب دامية ذاق فيها الجيش والشعب آلاماً وانكسارات صعبة، وإذ اختتمنا نحن بالانتصار، فإنه قد أسفر عن تحرير متدرج للأراضي المسلوبة، هكذا كان حال كثير من العامة في شوارع المعمورة مع صحفي أعلن عن انتمائه لجنسية العدو ولاقى ترحاباً وكرماً كأنه أشد الحلفاء، فقط حين اشتم الناس رائحة المصالحة واستشعر أن الحرب ستنتهي للأبد، وهكذا كان حال رجل مخابرات عتيق حين استتبت العلاقات -حتى ولو أُصيبت بالتوتر أحياناً- وكُفيت الدولة مغبة حروب أُخرى بغض النظر عن الجيران وحالهم.
وإذ يبدو أن تصريحات الرئاسة -الآتية من قلب الإخوان المسلمين- أكثر اعتدالاً، فإنها لافتة ولا تقل مفارقة إن قورنت بتصريحات قيادات الجماعة حينما كانت تتظاهر في عهد الرئيس مبارك منددة بالجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني، وناعتةً اليهود بأحفاد القردة والخنازير، وهو ما لم تنسَه الدولة العبرية، وطفقت آلتها الإعلامية تنشر تسجيلاته حينها مهددة ومنددة ومحذرة أيضاً لدرجة فضح خطاب رئاسي رسمي حين تم تعيين سفير جديد لإحراج الرئيس ذي الخلفية الراديكالية.
إذاً، اختار الجميع التبرير لقبوله لسياسة الأمر الواقع، وبدا لهم أن ضعف الدولة وتهالكها أولى بالعلاج من مواجهات -حتى ولو كانت سياسية فقط- مع عدو عتيد؛ بل صار الشعور بالأمان مبعثاً للبهجة والرضا من العامة على الرغم من جميع الآلام السابقة، وهذا عهدهم دوماً ولهم العذر، فنحن لم نجرب أن يكون ابنك جائعاً وأنت لا تستطيع إطعامه، ثم إن الحرب تأكل الكثير من فلذات الأكباد والآباء والأزواج، وتنكسر الكثير من قلوب ذي الضلع الضعيف الأعوج، ولا جابر لهم، هكذا يفكر دوماً من يرجو السلام، أو قل، الأمان خاصة إن بدا له يقيناً أن النتائج لن تكون إيجابية، ولن تثمر نصراً طبقاً للحسابات الواقعية للقوى على الأرض.
لكن من رأوا تحييد العدو لصالح استقرار البلاد لم يروا نفس المبرر مقبولاً لوقف الصراع فيما بينهم، فالواقع أنه لا يوجد من يريد أن يقدم شيئاً من التنازل والتراجع ولو لخطوة، ولو على سبيل الاعتراف بالخطأ الواضح لكل بصيرة سليمة، حتى وصلت المكابرة إلى مرحلة المواجهة الدموية، أصر الإخوان على الاستمساك بالسلطة والشرعية على عكس نهضة تونس التي تعلمت من تجربتهم الدرس وجنبوا شبابهم صداماً دموياً، خشية أن يحولهم ضحايا أو حتى جناة، أو يفتح لهم بوابة الأفكار المتطرفة بدعوى الانتقام والثأر، وتورط الجيش في إقصاء للسلطة ورئيسها حتى بدون انتخابات عاجلة على عكس الحياد الذي أبقى جيش تونس -بل وكل جيش محايد على وجه الأرض- محافظاً على صورته متمركزاً في مهمته.
على الرغم مما يراه التونسيون من تراجع لأهداف الإصلاح التي رجوها، فإنهم لا يزالون حتى الآن يحمدون الله أنهم لم يكونوا “مثل مصر”، في الوقت الذي لا ينفك فصيل مغبون أن يحمد الله أننا لسنا “مثل سوريا والعراق”! أشعر أننا صرنا في نفس خندق المقارنة، أيضاً حين أستحضر صورة الصراع بين حماس وفتح وبين الفصائل الفلسطينية وقوات الملك حسين في الأردن، أرجو -ولا أظن- أن أكون مخطئاً.
إذا كنت ترى أن تلك الرؤية للأزمة في مصر من عدسة بعيدة لا توضح التفاصيل والدقائق، يختلط فيها الحابل بالنابل والحق بغيره، فلا تنسَ أن العدو لا ينظر إلا من تلك العدسة سعيداً آمناً راضياً عما أسفرت عنه الأحداث، هو لا يهمه إن كان الأمر ثورة أم انقلاباً، ولا يهمه إن كان في رابعة سلاح أم لا، ولا يكترث للقتلى الذين يسقطون في الأحداث، بل يسعد بالتأكيد لما يحدث في سيناء، والهبوط الاقتصادي الحاد، والانقسام الشعبي، ها هي البلدان العربية تنقسم وتتفتت وكأنها في الطريق للاندثار، وها هو الصراع يستنفد قوى أكبر الدول العربية في المنطقة وصاحبة الانتصار الوحيد عليه.
يضرب اليأس جيلنا في مقتل، امتلأت السجون بالمعتقلين والمختفين والمظلومين والمعذبين، وامتلأت العقول والقلوب المكلومة بدوافع الانتقام والاستعداء حتى لمن سكت لقلة حيلته، يموت العديد والعديد من زهرة رجالنا في سيناء دون نتائج إيجابية على الأرض؛ حيث تتحرك عمامات الإرهاب بأريحية غريبة، وُيهجر المسيحيون دون حول لهم ولا قوة، ولا تزال الأحداث انشطارية متفجرة ولو دفنت مؤقتاً أحياناً.
تعلو الشماتة في كل حدث، بالأمس صرخ المساكين من نقص العيش، فصاروا بين شامت فيهم؛ لأنهم لم يتصدروا للقطار مثلهم ليدهسوا به، وبين داهس لا يعيرهم انتباهاً ولا يكترث لجوعهم، لا تدري إلى من تتوسل وترجو أن يوقف ذلك متخيلاً أو متعشماً أن يستجيب فيتنازل عن شيء مما يتمسك به؟ في الحقيقة لا يبدو أن النداء والخطاب يكفيان لحث أحد على التجاوب، لا بد من قوة دافعة للأمر متمثلة في جبهة قوية تدعو وتتحرك على أرض الشوك لتقتلعه، وتحافظ على ما تبقى في الأرض الضعيفة من ورود، وهو ما يفتح لي باباً لمقال الأسبوع القادم.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.