كتبت ذات يوم “منتقداً” الطريقة السخيفة التي تقترب من التهريج لمداخلات أحد نواب البرلمان أثناء دفاعه عن حقوق الشعب، متمنياً في الوقت ذاته أن تتحقق في العهدة النيابية القادمة تلك الأسطورة الخيالية التي مفادها أنه سيمثلنا يوماً ما خيرة أبناء الوطن، الذين يعتبرون “نخبة الشعب”.
والمضحك المحير أننا بكل بساطةٍ وعفوية نتخيل شخصياتٍ متميزة في مختلف المجالات، نعرف بعضها ونسمع عن تميز بعضها الآخر، تجلس بكل وقارٍ واحترام على كَراسي المجلس الشعبي الوطني لترفع انشغالات الوطن والمواطن بطريقة حضارية لأعلى مسؤول في الدولة، حتى يستجيب للمطالب المشروعة ويحل المشاكل المطروحة في مشهد سياسي رائع يوضح مثالية توزيع المهام واحترام تسلسل المناصب.
ولكني أدركت أنه حلم ينتهي مباشرة بعد الاستيقاظ، والنخبة المذكورة لا يمكنها التجمع على رأي أو غطاء واحد لخدمة الوطن، بسبب مرض رُبعها بجنون العظمة الذي يوهمهم بوجود جناح الطاووس على ظهورهم، ينبغي على الجميع احترامهم وتقديرهم من أجله، فيتنافسون على أناقة المظهر في برامج التلفزيون متحدثين عن نواب البرلمان السابق والسابق والسابق، بطريقة توهم المشاهد بأحقيتهم في ذلك المنصب، وعلى أساس أن النواب لم يقدموا شيئاً للشعب (مطلقين ابتسامات استعلاء واستهزاء كأنهم وجدوا الحل للغز حير العلماء)، والعجيب في ذلك أنهم يرفضون الترشح الحر أو الانتماء لأي حزب بحجة أنه لا فائدة من ذلك، مستسلمين بعد ثرثرة مزعجة أمام الأميين المغامرين، واكتفائهم بلعب دور “زعماء جماعة الضغط”.
أما رُبع النخبة الثاني فهو الذي يمثل فئة الصابرين المنتظرين لأي اتصال من (الفوق)، كما يقولون، فلعل بعض ثواني المكالمة تجعل منهم وزراء أو مستشارين جزاء وشكراً على خدمتهم للوطن بصمتهم أحياناً وغضهم البصر أحياناً أُخرى، ولكن عليهم التذكر دائماً أنه لن يتركهم الحارس لتسجيل وبلوغ الهدف حتى يضمن اقترابهم من مرماه (ولذلك طرق كثيرة).
وللنخبةِ صنفٌ ثالثٌ مشتت بين الأحزاب السياسية يظهرون ويختفون حسب المصلحة والمناسبة، بعضهم ضائع في حزبٍ معظم مناضليه لا يحملون من الشهادات سوى شهادة الميلاد، والبعض الآخر تجدهم مرتدين قميص الانتحار السياسي، بعد انخراطهم في أحزابٍ أقل ما يمكن وصفها بكونها مشبوهة الشكل والمضمون.
أما الصنف الرابع من النخبة، فهم أولئك المتواضعون الذين يتقنون ما في أيديهم من عمل دون الاقتراب من بئر السياسة حفاظاً على مكانتهم بين العامة، مكتفين بما وهبهم الله من رزق وعلم.
ومع ذلك كله لا نزال ننتظر حلماً جديداً في الليالي المقبلة، يبرز خلاله القائد المنتظر الذي سيبادر لإنشاء حزبٍ سياسي أو قائمةٍ حرة تتشكل فقط من الحائزين على الشهادات العليا علماً، والأخلاق الرفيعةِ صفةً، والبصيرة الثاقبة استشرافاً لما هو خير للبلاد والعباد دون إقصاء أو تهميش، مع مراعاة التجربة الفاشلة التي حدثت في العصور الماضية لشلة أرادت التغيير باختيار زعيم جديد، ولكن الأنانية طغت على الجلسة وتغلبت عليهم، وذلك لحضورهم جميعاً بقمصان عليها علامة القائد وكُتب فيها اسم “الزعيم الجديد”.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.