مدخل
لم يكن الإعلام المصري مُنصفاً بأي حال من الأحوال في تناوله للشأن السوداني، على مرّ السنوات والعصور، بل إنّ دولاً عديدة في المنطقة لم تسلم من الإساءات التي كانت تردح بها الصحف والفضائيات المصرية فور ظهور أزمة أو خلاف ما بين مصر وتلك الدول.. مثال لذلك الإساءات الفجّة التي وجهتها الصحافة المصرية للمملكة العربية السعودية في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز، عندما اشتعل الخلاف بين الرياض والقاهرة آنذاك، حتى وصل إلى مرحلة انقطاع العلاقات بشكل كامل، إلى أن تدخل السودان بحكم علاقاته الممتازة مع الطرفين، وأُجريت المصالحة التاريخية بين الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر في قمة الخرطوم الشهيرة التي انعقدت في أغسطس/آب عام 1967، والتي عُرفت بـ(قمة اللاءات الثلاثة)، حديثاً لم تشفع المساعدات المليارية التي قدمتها السعودية لمصر بعد 30 يونيو/حزيران 2013، فقد وُجهت سهام النقد والإساءات للسعودية فور توتر العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة، بسبب تغييرات طرأت على سياسات المملكة مؤخراً.
إساءات الإعلام والسينما المصرية للسودان
بالعودة إلى السودان، نجد أنه حُظي بنصيب وافر من الإساءات المصرية، فقد ظلت السينما المصرية تختزل الإنسان السوداني في شخصية البواب (عثمان) الكسول الساذج الذي يتكلم العربية بلسانٍ معوج، وتُصور السودان على أنه بلد متخلف ليس به أي مظهر من مظاهر الرقي والحضارة.. بجانب هذا، اجتهدت برامج الـ (Talk Show) التي عُرفت بها التلفزيونات المصرية في تعزيز تلك الصورة، بل عملت على ترسيخ نظرية أن السودان كله تابع لمصر، صدّق قطاع من الشعب المصري هذه الفرضية رغم كونها ساذجة لعدة معطيات وأسباب، أبسطها كبر مساحة السودان مقارنة بمصر.. فكيف يكون البلد الأكبر حجماً جزءاً من بلد آخر أصغر منه؟!
هنا نشير إلى حديث الباحث السوداني النور حمد، الذي كان واضحاً وشفافاً في رؤيته للأزمة، مؤكداً أن ما يحصل من الإعلام المصري سابقاً وحالياً، ليس محض صدفة أو ردود فعل محدودة، وإنما هو دور مرسوم بدقة ضمن منظومة مصرية ممتدة منذ تكوين ما عرف بمصر الخديوية، وأن الأمر في نظره حالة ذهنية تتقمص العقل المصري وفكرة ذهنية تسيطر عليه بقوة، تقوم على أن السودانيين فئة دونية، وأن الاستعلاء المصري على هذه الفئة الدونية شيء طبيعي بحكم هذه الذهنية، وأنه ليس من حق السودانيين الاعتراض على هذا الاستعلاء أو الشكوى منه “بحسب رأي الباحث”.
مباراة مصر والجزائر في أم درمان
محطات عديدة شهدت توترات بين البلدين، من بينها مباراة مصر والجزائر التي استضافتها مدينة أم درمان السودانية عام 2009، ما إن انهزم المنتخب المصري حتى شنّت الفضائيات المصرية حملة ردح على السودان استمرت أياماً عديدة، إلى ذلك، يظل مثلث حلايب الواقع تحت السيطرة المصرية منذ عام 1995، الملف الأبرز للتوتر الإعلامي والمناكفات التي لا تكاد تتوقف.
مسؤول مصري رفيع يوجه إساءات عنصرية للسودان
قبل حوالي عام، قامت وزارة التجارة السودانية بحظر منتجات غذائية مصرية ضماناً لصحة المواطنين، عندها قامت الدنيا ولم تقعد في مصر رغم أن الإجراء روتيني اتخذته العديد من الدول مثل أميركا وروسيا والسعودية، فإن إعلاميين مرموقين وجدوها فرصة لشن هجوم جديد على السودان، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أساء مسؤول مصري بدرجة وكيل وزارة في حوار مع إحدى فضائيات بلاده، إلى الشعب السوداني بألفاظٍ عنصرية لم يعتذر عنها، ولم تحاسبه السلطات هناك حتى اليوم.
أسوأ ما عرفت البشرية من إعلام!
الجملة أعلاه، وصف بها الكاتب السوداني إسحاق أحمد فضل الله الإعلام المصري، أشار إسحاق إلى أن القاهرة خسرت الكثير من الدول والشعوب بسبب إعلامها الذي يفجر في الخصومة، ولأسباب لا تستحق في كثير من الأحيان.
زيارة الشيخة موزا لأهرامات البجراوية
زيارة الشيخة القطرية موزا بنت ناصر إلى السودان التي تمت قبل أيام، أعادت الحملات الإعلامية التي تنطلق من دولة يفترض أنها شقيقة وجارة تربطها بالسودان علاقات الرحم والتداخل الأسري، غير أن إعلامها يأبى أن يرعوي، فلم يجد أمامه سوى السخرية المفضوحة من حضارة تليدة راسخة، رأى عالم الآثار السويسري شارل بونيه أنَّ حضارة وادي النيل بدأت جنوباً ثم انتقلت شمالاً. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا تلعب مصر دور الوصي على السودان، وكأنه إحدى المحافظات المصرية؟ ولماذا تتقزم مصر كل يوم عن سابقه حتى أصبحت لا تُجيد غير السَّب واللعن والشتم، ورفع الأحذية على شاشات الفضائيات؟
شباب السودان: دول الخليج وإثيوبيا أقرب إلينا من مصر
الظاهرة التي يلاحظها المراقب للساحة السودانية، هي إن الجيل الحالي من الشباب لم تعد تؤثر فيهم الشعارات البراقة التي كان يرفعها المثقفون السودانيون الذين تأثروا بمصر، ودبَّجوا فيها قصائد الغزل على شاكلة “مصر يا أخت بلادي يا شقيقة”، تحوّل اهتمام الشباب السوداني تدريجياً إلى جهتين: الأولى دول الخليج التي يكن إنسانها مودة واحتراماً لـ(الزول) فهو يمثل عندهم الأخلاق الكريمة والأمانة والكفاءة في أداء المهام المطلوبة منه، الجهة الثانية التي نالت نصيباً من اهتمام الجيل الرقمي في السودان هي دول الجوار الإفريقي مثل إثيوبيا وإريتريا وتشاد، يرى هؤلاء الشباب أن تلك الدول هي الأقرب في الثقافة والعادات إلى إنسان السودان، كما أن التاريخ لم يسجل إساءة أو تطاولاً من مواطني الدول المذكورة على السودان وأهله.
عضّد ذلك الرأي أن حملة (السودان أصل الحضارة) التي أطلقها نشطاء شباب على مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً للرد على الإساءات المصرية، ومن قبلها حملة (أعيدوا الدعم للأدوية) التي أطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي احتجاجاً على زيادة أسعار الدواء في السودان.. شهدت هاتان الحملتان تفاعلاً كبيراً من مواطنين خليجيين أبرزهم الإعلامية لجين عمران والسعودي عمر عبد العزيز وغيرهما، كما شارك نشطاء دول الجوار الإفريقي نظراءهم السودانيين، وعبَّروا عن تضامنهم باللغة الإنكليزية إلى جانب لغاتهم المحلية.
لماذا تحول السودانيون عن مصر؟
بدلاً من الإساءات والسخرية والشتائم، كنّا نتمنى أن تبادر الجهات البحثية ومراكز الدراسات المنتشرة في مصر بعمل دراسات وافية وحملات استقصاء لمعرفة أسباب التحول الذي حدث في السودان تجاه القاهرة؛ إذ إنّ أي متابع للرأي العام السوداني سيلاحظ بسهولة أن الشعب هناك أدار ظهره لمصر تدريجياً ربما للأسباب التي ذكرناه آنفاً، ظهر هذا التحول واضحاً إبان مباراة منتخبي الجزائر ومصر في أم درمان؛ حيث انحازت الجماهير السودانية لمنتخب الجزائر، الأمر الذي شكّل مفاجأة غير متوقعة للإعلام المصري.
مصر تقف وحيدة في ملف سد النهضة
يرى مراقبون سودانيون أن الإعلام المصري وتصريحات المسؤولين المصريين لعبا دوراً كبيراً في التأثير السلبي على العقل الجمعي في السودان؛ حيث يلاحظ بصورة واضحة التعاطف الذي يجده مشروع سد النهضة الإثيوبي من الشباب السوداني، فضلاً عن تصريحات مسؤولين سودانيين (بمن فيهم الرئيس البشير) تؤكد دعم الخرطوم لسد النهضة، وأنه لا يشكل خطراً على البلاد، بل هناك فوائد مرجوة من قيام السد تتمثل في الحصول على طاقة كهربائية رخيصة من إثيوبيا، إلى جانب تحجيم خطر الفيضان الذي تعاني منه البلدات السودانية المتاخمة لمجرى النيل وروافده، “حسب المصادر الحكومية”.
الخلاصة هي أن مصر خسرت وما زالت تخسر المزيد والمزيد، خصوصاً أن ردة الفعل السودانية توحدت للرد على ما اعتبروها إساءات مصرية، فهناك شبه إجماع من كافة فئات الشعب السوداني بمختلف اتجاهاته السياسية، على ضرورة التصدي لمن يعملون على السخرية من الحضارة والآثار الوطنية، خصوصاً من إعلام دولة محددة أدمَن هذا التصرف دون أن يجد ردعاً من حكومة بلاده، ولا من حكومة السودان التي بدأت على ما يبدو تتحرك أخيراً حيث أدلى وزير إعلامها مؤخراً بتصريحات عبَّر فيها عن رفضهم لما سماها محاولات الانتقاص من الحضارة السودانية، وفي المقابل لم يبدر أي تعليق رسمي من مصر حتى الآن!
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.