صادمة تلك المشاهد والفيديوهات التي ضجت بها المواقع الإخبارية الإقليمية والدولية لجنود من قوات الجيش الليبي (التابعة للجنرال خليفة حفتر) بمدينة بنغازي شرقي ليبيا، وهم منتشون بتنكيل الجثث ونبش القبور، بل حتى بتشويه جثث متعفنة، منها جثة لمعارض بارز، مشاهد مؤسفة تختصر درجة الاحتقان التي وصلت إليها الساحة الليبية في ظل مشهد معقّد، ما بين مجلس رئاسي بالعاصمة طرابلس، لا يملك من تغيير الواقع شيئاً، اللهم إلا السيطرة الأمنية على بعض الشوارع في العاصمة طرابلس، ومجازاً السيطرة على الجانب الغربي من ليبيا،
وبين قوات الجنرال خليفة حفتر، المدعومة من مصر والإمارات وروسيا، التي اتهمتها رسميا يوم 22 مارس/آذار، منظمة هيومان رايتس في بيان أصدرته، بالقول إنّ قوات حفتر “ربما ارتكبت جرائم حرب، تشمل قتل وضرب المدنيين، والإعدام الميداني، والتمثيل بجثث مقاتلي المعارضة، في مدينة بنغازي شرقي ليبيا، كما طالبته ذات المنظمة بفتح تحقيق عن إقدام عناصره على مهاجمة وقتل مدنيين، أثناء إجلاء سكان حي قنفودة غرب بنغازي”.
إنه إذاً المآل الخطير والمؤسف لشعب حاول الخروج من عصر الديكتاتور، على الأقل كما يصفه أعداؤه وخصومه السياسيون، إلى فوضى وصراع مسلح، تنسج خيوطه ميليشيات عسكرية نمت كما الفطريات في موسم الأمطار؛ ليجد الليبيون أنفسهم في دائرة كبيرة من الدماء والجثث المتساقطة، فلا الكرامة لليبيين تحققت، رغم اتخاذ الجنرال حفتر من هذا المصطلح عنواناً لتصفية خصومه خاصة من التيار الإسلامي (عملية الكرامة في مايو/أيار 2015)، إثر انقلابه على الحكومة الليبية فيما عرف بالانقلاب التلفزيوني، لتتوالى الإخفاقات الليبية على الأرض رغم الاعتقاد بأن الفجر لاح، بعد أن قامت قوات “فجر ليبيا” بدحر أول ظهور لداعش في مدينة صبراتة على الطريق الساحلي الرابط بين العاصمة والحدود التونسية.
مَن هم الفرقاء الليبيون؟ وهل فشل اتفاق الصخيرات؟
من الجيد الإشارة ابتداء لفهم تعقيدات الملف الليبي إلى أن المجتمع الليبي مجتمع قبلي من الطراز الأول، حيث لا تزال القبيلة تسيطر على المنظومة الاجتماعية والسياسية، وتقدر الدراسات عدد القبائل الليبية بقرابة الـ102 قبيلة.
لقد أفرز سقوط نظام القذافي الذي تميز باللجان الثورية ضمن فلسفته المتعلقة بالنظام الجماهيري، ميليشيات كان عدد منتسبيها قبل دخول اللواء حفتر على خط الصراع، لا يتجاوز الأربعين ألف شخص؛ ليصل هذا العدد إلى ربع مليون شخص، وإذا ما تجاوزنا تحول المشهد الليبي إلى ميليشيات متناحرة، فعلى الصعيد السياسي مكونان رئيسيان بدأ الخلاف بينهما منذ الأيام الأولى لسقوط القذافي ألا وهما:
التيار الإسلامي المحافظ، والتيار الليبرالي، اللذان يتضادان تماماً في رؤيتهما لاستكمال التحول إلى عصر الدولة الليبية الجديدة؛ حيث يرى الفصيل الأول أن الثورة يجب أن تستمر وتستأصل بقايا النظام السابق على كافة الأصعدة والمستويات، فيما يرى الفصيل الثاني أن الثورة انتهت بمقتل العقيد معمر القذافي، وأن مرحلة بناء الدولة يجب أن تستوعب كل الليبيين بدون استثناء، وليس هذا الخلاف الوحيد الذي يرسم توجهات الفرقاء في ليبيا، فالتوجه الفيدرالي الذي يدفع باتجاه الانفصال (شرق البلاد) عن السلطة المركزية بطرابلس، توجه أزَّم هو الآخر المشهد الليبي، وحوله إلى فسيفساء من الخلاف في دولة تبخر فيها بعد سقوط النظام أكثر من 360 مليار دولار في ظرف ثلاث سنوات؛ ليحولها من دولة بترولية تصدرت المشهد الإقليمي أقلُّه في بعده الإفريقي، إلى دولة يصطف شعبها في طوابير للحصول على أبسط ضروريات الحياة.
لقد بدا اتفاق الصخيرات الموقّع بالمغرب بين الفرقاء السياسيين في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، تحت رعاية الأمم المتحدة بإشراف المبعوث الأممي مارتن كوبلر، نصراً مؤزراً، وهو الاتفاق الذي نجم عنه تشكيل مجلس رئاسي لحكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دولياً)، ومجلس الدولة في العاصمة طرابلس (غرفة نيابية)، بالإضافة إلى تمديد عهدة مجلس النواب في طبرق (شرق ليبيا)، لكن سرعان ما تبينت هشاشته، إثر إعلان اللواء حفتر من موقعه آنذاك كقائد للقوات التابعة لمجلس النواب الليبي في مدينة طبرق (شرق ليبيا)، عن رفضه لمخرجات الصخيرات؛ إذ صرح لقناة فضائية مصرية بالقول: “إن كل ما جرى منذ البداية للنهاية ما هو إلا عبث والانتخابات لم تفرز إلا السيئ”.
وقد سبق للمراقبين التحذير بأن اتفاق الصخيرات سيؤول إلى الفشل الذريع؛ لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار دعوة القادة العسكريين على الأرض إلى طاولة الحوار والتفاوض، واكتفى بالسياسيين العاجزين اليوم عن رسم المشهد الليبي؛ حيث لا صوت يعلو فوق صوت 121 بطارية صواريخ تملكها قوات حفتر (سام 6) و300 صاروخ (سام 7)، وأكثر من 30 مليون قطعة سلاح موزعة في أرجاء ليبيا، كما أوردت مجلة الجيش الجزائري في عددها الصادر قبل أيام.
هل تمارس الجزائر دوراً مؤجلاً؟
الجزائر برصيدها الدبلوماسي الكبير، وثقلها الإقليمي، تعود إلى المشهد الليبي، بعد أن غابت عنه منذ سقوط القذافي؛ إذ كانت منذ البداية في مرمى الانتقادات اللاذعة، خاصة بُعيد لجوء أسرة العقيد القذافي إلى الجزائر، وتصريحات ابنته عائشة التي أحرجت السلطات الجزائرية كثيراً، وكانت سبباً في سفر أو تسفير أسرة القذافي إلى سلطنة عمان، موقف جزائري نال حظاً وافراً أيضاً من الانتقاد لدى المتتبعين المحليين داخل الجزائر؛ إذ بدا أن سياسة النأي بالنفس والتزام الحياد مع دولة نقتسم معها حدوداً تصل إلى قرابة الألف كيلومتر، موقف ينم عن تمسك غير مجدٍ للجزائر بتقاليدها الدبلوماسية، وبين حالة الصمت التي صاحبت الموقف الجزائري والخطابات التقليدية التي تدعو الفرقاء الليبيين إلى ضبط النفس وتغليب مصلحة الوطن،
عاد الدور الجزائري بقوة إلى السطح، حيث تُعوِّل العديد من القوى الدولية عليه ضمن المبادرة الثلاثية (المصرية – الجزائرية – التونسية)، دور جزائري يبدو أنه في توقيت جيد، من نواح عديدة، بما يضع حداً لمؤاخذات هي الأخرى صاحبت عدم التحاق الجزائر الرسمية بتقلبات المشهد الليبي، مُحوِّلاً الحكم على الموقف الجزائري من الخاطئ إلى الصائب، عززه أيضاً بقاء الجزائر طيلة هذه الفترة، على مسافة متساوية من جميع الأطراف الليبية؛ حيث يعوِّل المجتمع الدولي هو الآخر، كثيراً على الدور الجزائري من أجل فرض خيار المصالحة الوطنية الليبية، وتقاسم السلطة، والاعتراف بجميع المكونات السياسية والعسكرية المشكلة للمشهد الليبي، كخيار أوحد ووحيد للخروج من نفق الحرب الأهلية،
وها هي الدبلوماسية الجزائرية الموسومة بالوساطة الناجحة في ملف مالي، تجمع خيوط المشهد الليبي، ولا أدل على ذلك من وتيرة اللقاءات والزيارات المتتالية للفرقاء الليبيين إلى الجزائر، وكذا للمسؤولين الجزائريين إلى ليبيا، لكن قد يقول القائل: ليبيا ليست مالي، والحالة الليبية اتسمت على مر سنوات الحرب بتعدد اللاعبين الإقليميين، أمام هشاشة الموقف الأوروبي، بسبب التحديات الأوروبية الداخلية، والدور المريب للدب الروسي، والموقف الأميركي غير الواضح البتة.
ومما لا شك فيه أن الجنرال خليفة حفتر، الذي تشكل مصر بالنسبة له حاضنة إقليمية، أصبح رقماً مهماً في المعادلة الليبية؛ حيث اكتسب قاعدة شعبية كبيرة ليس فقط في معسكره بالشرق بل حتى بالغرب مكان تواجد خصومه، حيث يُعلِّق الباحث الليبي السنوسي البسيكري على هذه الظاهرة بالقول إن فشل استكمال بناء الدولة، والانفلات الأمني الذي ميز ليبيا منذ سقوط القذافي، وكذا انطباع صورة القائد والملهم المنقذ، العسكري المتسلط، في وعي ولا وعي الليبيين سمح للجنرال المتهور كما يصفه باكتساب الدعم والتأييد، غير أن الجديد في المشهد هو تلك الزيارة التي قادته إلى الجزائر عائداً من روسيا في ثاني زيارة له، فيما يشبه تكليفاً روسياً للجزائر للاهتمام بالملف، والذي فُهم أيضاً أنه رسالة من الجزائر للفريق السياسي بطرابلس أن الصبر قد نفد، وآن الأوان لتقديم بعض التنازلات، والاعتراف بالجنرال حفتر، كشريك في معادلة الحكم الليبية.
يجمع أغلب المتتبعين للشأن الليبي على أهمية الدور الجزائري باعتبار الطرف المصري داعماً لفصيل بعينه، والطرف التونسي لفصيل آخر، فيما الجزائر تربط الاتصالات والتشاورات مع الطرفين دون تحيز أو اصطفاف، وهذا ما يعبر عنه الباحث الموريتاني المختص في الشأن الليبي الدكتور حسين العلوي باعتباره موقفاً متزناً جاء تصحيحاً للخطأ المصري والتونسي.
وليست الحيادية الجزائرية نقطة القوة الوحيدة في الموضوع، فالدور الجزائري مرشح لتلوين المبادرة الثلاثية، بحكم العلاقات الجزائرية – المصرية الجيدة، وكذا العلاقات الجزائرية – التونسية العميقة والمتأصلة، بالإضافة إلى الإنهاك الذي تمر به روسيا؛ حيث تعالت التعليقات الساخرة على حاملة الطائرات الروسية التي شقت المتوسط واحتضنت اللقاء الذي جرى بين الجنرال حفتر والمسؤولين الروس، لتدخل الحاملة الروسية المهترئة، فور وصولها إلى روسيا إلى ورشة التصليح، وقدَّر المختصون فترة تصليح الأعطاب بأزيد من سنتين، ما يدل حسبهم على أن روسيا ليست قادرة على فتح جبهة جديدة في ليبيا، وهي مطمئنة تماماً للدور الجزائري الذي يرجوه الليبيون والمجتمع الدولي على حد سواء، فعالاً، وإيجابياً وحاسماً.
أمام هذه النظرة التفاؤلية يقول بعض المراقبين: إن ليبيا التي شكّلت الاستثناء بتدخل الناتو، لتغليب الكفة وتسريع الحسم، لن تخرج من مرمى الاهتمام الأوروبي رغم ضعف الموقف الأوروبي وتباينه أحياناً، خاصة أن 80 بالمائة من النفط الليبي يتوجه إلى أوروبا، ناهيك عن 60 بالمائة من الواردات الليبية التي تأتي من القارة نفسها، زيادة على المعادلة الأمنية المعقدة، حيث وجود سلطة ليبية قوية تحدُّ من الهجرة وتصدير التيار المتشدد وفق الرواية الأوروبية، أولوية غير قابلة للمساومة والنقاش.
وعلى الجانب الآخر موقف أميركي مرتقب، يعتقد الكثير من المحللين أنه لن يكون قريباً، بحكم التقارب الروسي – الأميركي الكبير، الذي يمكن أن يعتبر دلالة ضمنية على تطابق الرؤى الروسية – الأميركية حول المشهد الليبي، وبالتالي تصبح العلاقة متعدية، تصب مباشرة في قالب تحقيق الدور الجزائري للغاية المتوخاة، بوقف الحرب وتحقيق الانتقال إلى عصر الدولة، دور عززته أيضاً التصريحات الأوروبية المتفائلة بالدور الجزائري في الملف الليبي الصعب والمعقد.
هل ستتحول ليبيا إلى سوريا المنطقة؟
إذا كانت إيران حاضنة إقليمية للنظام السوري الذي اختار الحسم العسكري، فإن مصر هي الأخرى تشكل نفس الحاضنة للجنرال خليفة حفتر، الذي يجر خصومه إلى التسليم بالحسم العسكري، لكن هل هذه المقاربة وحدها إذا ما أضفنا إليها الدور الروسي في الملفين السوري والليبي، مستحضرين العقيدة الروسية في مثل ملفات كهذه، كفيلة باعتبار السيناريو الليبي قريباً من السيناريو السوري؟
هذا السؤال طرحته على الباحث الجزائري في الشؤون المغاربية (الحواس تقية) في الندوة التي احتضنها مركز الجزيرة للدراسات، حول المبادرات الدولية والإقليمية ودورها في حلحلة الوضع الليبي؛ حيث أفاد وهو المطلع على الشؤون الليبية، بمواكبة التغيرات في المشهد الليبي منذ الساعات الأولى له، بأن ليبيا ليست سوريا، والدور الروسي في ليبيا لا يمكن إلا أن يكون محدوداً بسبب الإنهاك الذي تعرضت له روسيا من حرب سوريا، مما يجعلها غير مؤهلة تماماً للعب ذات الدور، فيما أفاد بأن الوفاق السياسي قد يكون المخرج الإلزامي لجميع الفرقاء الليبيين، لكن الحسم العسكري سيحدد بنسبة كبيرة، شكلَ واتجاه الخريطة السياسية في ليبيا، حتى ولو لم يكن حسماً مفصلياً واضحاً.
التوافق الليبي – الليبي للأسف ليس غداً؟
لا يبدو أن انفراج الأزمة الليبية سريعاً، وإن أجمع أغلب المراقبين والمحللين على ألا بديل لليبيين عن الحوار، والجلوس جنباً إلى جنب، لتخليص ليبيا من حرب أهلية، تناقص فيها كل شيء إلا أعداد القتلى والجرحى، وإذا كان اتفاق الصخيرات على ضحالة مكاسبه قد أرّخ للأزمة الليبية، فإنه بلا ريب بارقة أمل حول إمكانية جمع الخصوم الليبيين في غرفة واحدة وعلى طاولة واحدة، لكن ما لم يقرر الليبيون أنفسُهم، أن ليبيا ومستقبل ليبيا والأجيال القادمة، يجب أن يظل فوق المكاسب الضيقة لفصيل دون آخر، وما لم يكن لدول الجوار اليد الطُولى في إنهاء هذه الصورة القاتمة، سيبقى الملف الليبي رهين الكر والفر بين الخصوم على الأرض، ورهين الحسابات الدولية والمكاسب الاستراتيجية.
ولدبلوماسيتنا بالجزائر نهمس، فليشكل الملف الليبي الأولوية، لا مزية ولا تفضلاً على الأشقاء الليبيين، بل عين الواجب ومقتضى الأخوة نحو بلد جار، وشعب شقيق، نتقاسم معه الكثير من الروابط والأواصل، احتضن قادة ثورتنا المظفرة، ودعمها بالمال والسلاح، وحتى يحِلَّ السلام بليبيا، ستبقى ليبيا واللِّيبيون في قلب الاهتمام الجزائري الشعبي والرسمي، وفاء للأخوة والصداقة والجوار، ولروابط لا عدَّ ولا حصر لها.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.