وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاحتباس الحراري بالخديعة الكبرى، وهو أمر يثير الدهشة أن يصدر من مسؤول بهذا الحجم، ومما لا شك فيه أن التغيرات المناخية تحدث من حولنا وبالتدريج، ففي عامي 2015 و2016 شهدت الأرض أعلى درجات حرارة حدثت منذ القرن الـ19، وما زال الأمر مستمراً في 2017.
وهناك أيضاً دراسة قام بها مجموعة من العلماء في جامعة نورثمبريا ببريطانيا، تؤكد أننا في بداية عصر جليدي مصغر سيبلغ ذروته في عام 2030.
إذن فكل المؤشرات تؤكد أننا على مشارف تغيّر كبير قادم في المناخ، ولكن هل نستطيع أن نحد من تلك التغيرات؟ هل هناك طرق متاحة لتمويل مشروعات أو مبادرات أو أفكار للحد والتكيف من الاحتباس الحراري؟
بالتأكيد هناك طرق لذلك، وكانت البداية مع قمة باريس 2015 للمناخ، التي شارك فيها 195 دولة، توصلت فيها لاتفاقيات للحد من زيادة درجات الحرارة أقل من درجتين عن طريق التنمية المستدامة.
وفي قمة المناخ العام الماضي كوب 22 بمراكش كان التمويل للتغيرات المناخية على رأس 5 أهداف للقمة، وتتعد سبل التمويل والمبادرات والأفكار.
الصندوق الأخضر: وهو تابع للأمم المتحدة، وتم إنشاء هذا الصندوق في خطة تم الاتفاق عليها في مباحثات بالمكسيك 2011 تقوم بموجبها الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة للحد من انبعاث الكربون، ويهدف المسؤولون إلى جمع 100 مليار دولار بحلول عام 2020 لمساعدة الدول الفقيرة، والمتضررة من الاحتباس الحراري، وبالطبع دور الصندوق ضئيل، فهناك مئات المليارات المطلوبة كل عام حول العالم لتنفيذ مشروعات الطاقة النظيفة.
بيل غيتس: من المعروف في عالمنا العربي أن رجل الأعمال لا يصرف أمواله إلا في مشروع استثماري، ولكن بيل غيتس يضرب مثلاً لكل رجال الأعمال في العالم بأن الدولة لن تتحرك بمفردها، وأننا أيضاً يجب أن نتحرك لمواجهة مشكلة الاحتباس الحراري والطاقة، فأنشأ ما يسمى ائتلاف الطاقة المتجددة، وهو بمثابة جمعية غير رسمية تضم 28 من رجال الأعمال لتمويل أبحاث الطاقة المتجددة، وتم الترويج لهذه الجمعية في قمة المناخ بباريس 2015، فما أكثر رجال الأعمال وأصحاب المليارات في عالمنا العربي، ولكن هل لديهم النية للمشاركة في إنقاذ الكوكب كما فعل غيرهم في الغرب؟
مؤسسة التمويل الدولية ifc: وهي عضو مجموعة البنك الدولي وتقود حملة لتوفير 13 مليار دولار سنوياً لاستثمارات القطاع الخاص في التنمية المستدامة والطاقة النظيفة، وفي العام الماضي قدمت المؤسسة دراسة تؤكد أنه منذ اتفاقية المناخ بباريس 2015، تم استثمار أكثر من 23 تريليون دولار في الأسواق الناشئة لمكافحة تغير المناخ والممتدة إلى عام 2030، وتحدد الدراسة فرص الاستثمار للشركات في جميع أنحاء العالم من مبانٍ خضراء والبنية التحتية صديقة البيئة إلى طرق توفير استهلاك الوقود، وتعمل المؤسسة مع أكثر من 2000 شركة حول العالم، وتقوم بتقديم مساعدة للاستثمارات في الدول النامية.
فرض ضرائب على الكربون: السويد وفرنسا وفنلندا والسويد، ودول أوروبية أخرى تفرض ضريبة مباشرة على انبعاثات الكربون، وإيرادات تلك الضريبة تذهب كإعانات ومنح لتشجيع الأفراد على الطاقة النظيفة والمتجددة، وإذا تم فرض ضريبة على الكربون في السعودية ستوفر 60 مليار دولار سنوياً يتم توجيهها في استثمارات للطاقة النظيفة، وهذه مبادرة من رئيس مجلس إدارة الطاقة النظيفة في السعودية ناصر السعيدي، وإذا كانت الضريبة مطبقة في العديد من الدول الأوروبية، فلمَ لا نطبقها نحن في الشرق الأوسط ونحن أكثر المناطق إنتاجاً للنفط، وملايين المصانع والمداخن؟
أيضا نحن نحتاج إلى حملات توعية للعامة من مخاطر الاحتباس الحراري، فهناك الملايين من المصريين لا يعلمون شيئاً عن المخاطر المترتبة عليه، بل إننا ما زلنا نعاني سنوياً من مشكلة السحابة السوداء الناجمة عن حرق قش الأرز، وإجبارياً يجب على الجميع أن يتعاونوا ويتكاتفوا من أجل ذلك.
علينا الاستعداد لما هو قادم وللتكيف معه عن طريق أهم القطاعات التي تجعلنا على قيد الحياة
* المياه:
يجب أن نعمل على إنشاء محطات لتحلية مياه البحر، وتوسيع نطاق جمع مياه الأمطار، وتحديث تقنيات حفظ المياه، وإعادة استخدام المياه، والترشيد في استخدام المياه والري.
* الزراعة:
تأتي الزراعة في مقدمة القطاعات التي ستتأثر بشدة من تغير المناخ، من جفاف أراضٍ إلى غرق أراضٍ أخرى نتيجة الفيضانات، ولذلك ستجد مشروعاً دولياً يسمى (IGMIP)، هدفه تقديم توقعات ودراسات جيدة للتأثيرات المناخية على الزراعة، ويشارك خبراء من كل المجالات في هذه الدراسة؛ لضمان توفير المورد الأساسي للإنسان وهو الغذاء.
وهناك أبحاث تتم للتكيف مع التغيرات المناخية عن طريق:
1- زيادة الأبحاث للتوصل إلى أصناف تتحمل درجات الحرارة العالية والجفاف.
2- تغيير مواعيد الزراعة لبعض أنواع النباتات لتتلاءم مع التغيرات الجوية الجديدة.
3- تحديث طرق الوقاية مع التغيرات المناخية الجديدة وما يصاحبها من آفات.
4- تحسين طرق التخزين.
5- تدوير المخلفات الزراعية حتى لا تتحول إلى مصدر تلوث آخر.
باريس مدينة خضراء 2050: هكذا تخطط فرنسا للتكيف مع التغيرات القادمة بمبانٍ صديقة للبيئة ومحاطة بالنباتات لامتصاص الكربون من الهواء.
وبالطبع نحن في مصر لا نمتلك تلك الإمكانيات أو حتى التخطيط للوصول إلى تلك النتائج، ولكن هناك أفكار بسيطة من الممكن أن ينفذها الملايين من المصريين، مثل زراعة الأسطح، وهناك الكثيرون يقومون بذلك كنوع من الاستثمار الذي يترتب عليه خفض نسبة الكربون من الهواء، فلمَ لا نشجع آخرين على الاستثمار في مساحات واسعة من الأسطح التي سيكون لها منظر حضاري وفوائد مناخية بتكلفة بسيطة؟
أما عن قطاع مثل الصناعة فيجب على الدولة أن تتخلى عن دعم الطاقة على المصانع وإصدار قوانين إلزامية بالاعتماد على الطاقة الشمسية في تشغيل المحركات، وفلترة المداخن، فأكثر من 12600 مصنع في القاهرة تسبب 50% من نسبة تلوث الهواء بالكربون، وأيضا فرض ضرائب على الكربون.
* الطاقة:
معظم أسلاك الطاقة في مصر فوق الأرض، ومع التغيرات المناخية يتوجب نقلها تحت الأرض، مع تنوع مصادر الطاقة النظيفة، يجب التخطيط الجيد، والرؤية الصحيحة، والتكامل بين كل القطاعات؛ لذا ستجد المغرب حققت طفرة في التخلص من الانبعاثات الحرارية عبر مواد في دستور 2011، وتخطيط جيد ونشر الوعي لذلك.
إن دولة مثل المغرب لا تختلف كثيراً عن دول شمال إفريقيا، فلمَ نجحت ونحن ما زلنا لا نكترث أو نهتم؟
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.