وزير المالية السعودي: لهذه الأسباب تمت إعادة بدلات الموظفين.. ولا تراجع عن الإصلاح

هل تراجعت الحكومة السعودية عن خططها التقشفية الرامية لإصلاح الاقتصاد وتقليل العجز المالي الناجم عن تراجع أسعار النفط؟

تساؤل طرحته صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية بعد قرار المملكة إعادة البدلات الممنوحة للموظفين الحكوميين التي كانت قد خُفضت في إطار مساعي المملكة لتقليل عجزها المالي.

وزير المالية السعودي محمد الجدعان، قال لصحيفة فايننشيال تايمز إنَّه سيزوِّد اقتصاد بلاده بملايين الدولارات لتنشيط النمو، بينما تعهَّد أيضاً بالمضي قدماً في إصلاحاتٍ اقتصادية لا تحظى بشعبيةٍ كبيرة بعد التحوُّل المفاجئ الذي حدث الأسبوع الماضي في السياسة التي تتبناها الحكومة تجاه البدلات، حسب تعبير الصحيفة.

وتعاني المملكة منذ فترةٍ لتحقيق التوازن بين تعزيز معدل النمو الضعيف، والمضي قدماً في إجراءات التقشُّف على خلفية الأزمة المالية الناجمة عن انهيار أسعار النفط، بحسب ما نشرته الصحيفة.

عودة البدلات الموظفين

وفي الأسبوع الماضي، تراجعت الرياض عن التخفيضات التي كانت قد أقرتها في الفوائد الممنوحة للموظفين الحكوميين، وهي خطوةٌ اعتبرها بعض المتابعين تراجعاً للبرنامج الإصلاحي الذي يقوده محمد بن سلمان ولي ولي العهد، الذي أعلن خطةً واعدة أواخر العام الماضي 2016 لإصلاح الاقتصاد القائم على النفط إصلاحاً شاملاً.

ولفتت الصحيفة البريطانية إلى أن وزير المالية السعودي، أصرَّ على أن هذا التراجع، الذي يُعد أول تحوَّل رئيسي في مسار خطة الإصلاح منذ أن أعلنها الأمير محمد بن سلمان، لا يدل على إحجام الحكومة عن اتخاذ إجراءاتٍ غير شعبية رغم تصاعد الانتقادات المحلية.

وقال الجدعان في مقابلةٍ صحفية: “ستستمر الإصلاحات، وإننا نتعهَّد بذلك. إنَّ إعادة البدلات ما هي إلا استجابة لإعادة تحسين القوة الشرائية، وزيادة ثقة المستهلكين والقطاع الخاص”.

وأضاف الجدعان أنَّ الزيادات السابقة في أسعار الوقود، والماء، والكهرباء، بالإضافة إلى تجميد الرواتب، بقيت جميعها كما هي.

وقال الجدعان لصحيفة فايننشيال تايمز، إنَّ إعادة الفوائد إلى قيمتها السابقة، التي شملت المكافآت، وحوافز الوقت الإضافي، والبدلات الأخرى، بعد أن كان قد تم تخفيضها في السابق على ثلثي الموظفين السعوديين في المؤسسات الحكومية، ستنعش معدلات الطلب لدى المستهلكين.

وكانت التخفيضات التي أقرتها الحكومة في فوائد الموظفين الحكوميين قد أسفرت عن دفع الاقتصاد غير القائم على النفط إلى حافة السقوط في بئر الركود الاقتصادي العام الماضي، 2016، لأول مرةٍ منذ عدة عقود.

أربع فوائد

وأشار تحليل لوحدة التقارير في صحيفة “الاقتصادية” السعودية إلى أن الأوامر الملكية بإعادة الفوائد ستكون لها 4 نتائج إيجابية رئيسية على الاقتصاد السعودي؛ أولاها: مواجهة انكماش التضخم السلبي الناتج عن انخفاض القوة الشرائية لدى موظفي الدولة بعد إلغاء بعض البدلات والمكافآت العام الماضي 2016.

يشار إلى أن التضخم في السعودي قد سجل نمواً سلبياً (انكماشاً) خلال شهر مارس/آذار 2018، بمعدل – 0.4% ، مسجلاً بذلك تضخماً سلبياً للشهر الثالث على التوالي.

أما الفائدة الثانية، فهي زيادة معدلات السيولة في الاقتصاد السعودي نتيجة لما سيتم ضخه في الاقتصاد بعد عودة البدلات والعلاوات لموظفي الدولة، وراتب الشهرين للمشاركين الفعليين في الصفوف الأمامية لعمليتي (عاصفة الحزم، وإعادة الأمل) من منسوبي وزارات (الداخلية، والدفاع، والحرس الوطني) ورئاسة الاستخبارات العامة.

وستستفيد جميع القطاعات تقريباً من السيولة الجديدة التي سيتم ضخها في الاقتصاد السعودي، فيما سيكون القطاع المصرفي من أكثر المستفيدين؛ لكونه سيخفّض من نسب تعثر موظفي الدولة عن سداد القروض المستحقة عليهم، كما سيزيد الحركة الاقتصادية؛ ما سيؤدي بدوره إلى قروض أعلى للمصارف، سواء للشركات أو الأفراد.

وثالثة الفوائد، تتمثل في أن الأوامر الملكية ستؤدي إلى زيادة القوة الشرائية لموظفي الدولة، التي تضررت عند إلغائها أو تعديلها العام الماضي؛ ما سينعكس بدوره إيجاباً على كثير من القطاعات في البلاد، وعلى رأسها قطاع التجزئة الذي تضرر أخيراً جراء انخفاض القوة الشرائية للأفراد.

ويستفيد الاقتصاد السعودي من الفائدة الرابعة للأوامر الملكية، حيث إنه سيتم تحريكه بشكل أفضل، في ظل النشاط المتوقع للقطاع الخاص، ما يدعم إمكانية تحقيق نمو اقتصادي أفضل مما كان متوقعاً في السابق.

تحفيز للقطاع الخاص

وقال الجدعان إنَّ هناك حزمةَ تحفيزٍ للقطاع الخاص، تشمل نفقاتٍ تتراوح بين (10-12) مليار ريال سعودي، (أي نحو 2.7-3 مليارات دولار) لدعم إنشاء 280 ألف وحدة سكنية، ستساعد في تخفيف الآلام الناجمة عن المزيد من الإصلاحات.

وتضم الحزمة برنامجاً يمتد لـ4 أعوام، تبلغ قيمته الإجمالية 200 مليار ريال سعودي، (أي نحو 50 مليار دولار)، بهدف منح قروضٍ ذات تكلفةٍ منخفضة لمساعدة مؤسسات الأعمال في إعادة هيكلة ديونها، ومد حدود الإقراض للشركات التي تسهم في توظيف المواطنين، وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة.
س
وقال الجدعان: “إنَّ حزمةَ التحفيزِ هي عنصرٌ واحدٌ من عناصر التعامل مع التأثير المُحتمل للإصلاحات”.

وقال الجدعان إنَّ معدل النمو قد يشهد ضعفاً في هذا العام (2017)، وفي العام المقبل (2018). وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أنَّ معدل النمو سيصل إلى 0.4% هذا العام، ولكن الجدعان قال إنَّه يتوقع أن يزيد معدل النمو عن هذا الرقم. وفي عام 2016، كان الاقتصاد السعودي قد حقَّق معدل نمو بلغ 1.4%، وفقاً لما ذكره صندوق النقد الدولي.

ثالث أكبر احتياطي للعملة في العالم

وأكّد الجدعان، خلال كلمته في افتتاح الدورة الثانية عشرة لمؤتمر “يوروموني السعودية 2017″، نقلها موقع “سبق”، متانة المركز المالي للمملكة في ظل ارتفاع حجم الاحتياطيات المالية، وتضاعف الناتج المحلي الإجمالي على مدى السنوات العشر الماضية؛ حيث يمثل نحو (50%) من اقتصاد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويشكل ثالث أكبر احتياطي للعملة في العالم.

واعتبر أن مستوى الدين العام يعد الأقل من بين دول مجموعة العشرين، وهذا من شأنه أن يُسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، والحد من الآثار السلبية الناتجة من انخفاض أسعار النفط، وأن السياسات النقدية التي تتبعها المملكة أسهمت في تعزيز الاستقرار النقدي والمالي.

ولفت إلى أن “مكتب الدين العام جذب اهتماماً كبيراً من قِبل المستثمرين لأول إصدار دولي في برنامج الصكوك السعودية الدولية، حيث تجاوز المجموع الكلي لطلبات الاكتتاب لهذه الصكوك مبلغاً قدره 33 مليار دولار أميركي؛ أي ما يعادل 123.75 مليار ريال سعودي، وكان الحجم الإجمالي للإصدارات 9 مليارات دولار أميركي؛ ما يعادل 33.75 مليار ريال سعودي؛ ما يؤكد الثقة باقتصاد البلاد ومساره المستقبلي”.

200 مليار عجزاً

وأشارت صحيفة فايننشال تايمز إلى أنه في ضوء خطة الأمير محمد بن سلمان التي تحمل اسم “رؤية 2030″، قالت الرياض إنَّها ستخَصخِص بعض الشركات الحكومية، ومن ضمنها شركة أرامكو السعودية للنفط، وستُقلِّص دور الحكومة في الاقتصاد، وستدعم تنمية القطاع الخاص.

وتُعد إجراءات التقشُّف ضرورية لسد عجز الموازنة السعودية الذي بلغ 200 مليار ريال سعودي، ولكنها تُمثِّل في الوقت نفسه اختباراً لقدرة الحُكام على فطم المواطنين السعوديين الذين ظلوا يرضعون من سخاء الحكومة على مدار عدة عقود، وفق تعبير الصحيفة البريطانية.

وتقول الصحيفة البريطانية إنه مع ذلك، يقول منتقدو الحكومة إنَّ الإصلاحات المُعتَمَدة كافة حتى الآن تتركز حول التقشُّف، وتفتقر إلى التنويع الاقتصادي. وتزداد المخاوف أيضاً بين المواطنين السعوديين من الآثار المُحتملة للمزيد من إجراءات تخفيض التكاليف، ولا سيما في ظل معاناة العديد من المواطنين جراء تكاليف المعيشة المرتفعة والبطالة.

وقال الجدعان إنَّ إعانة الحكومة للشرائح الأفقر من السعوديين من خلال “حساب المواطنين”، وهو نظامٌ جديد للفوائد الحكومية، ستساعد على تلطيف حدة المرحلة المقبلة من الإصلاحات المالية، والتي ستشمل فرض ضرائب المبيعات والضرائب غير المباشرة، بالإضافة إلى فرض زياداتٍ على الرسوم المحلية.

وقال الجدعان: “يجب أن ينظر الناس إلى خطة “رؤية 2030″ من منظورٍ شامل. نحتاج إلى التواصل مع الناس، وشرح الإجراءات التي نتخذها لهم بوضوح”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top