عن البلوكاج والديبلوكاج الحكومي في المغرب

بيد أن ما حدث مع توالي الأيام لم يكن متوقعاً، ففي نهاية الولاية الأولى بدا أن الأغلبية الحكومية ستظل ذاتها في ظل انسجام المواقف والتصريحات، بل حتى إن حزب الاستقلال كان قاب قوسين أو أدنى من العودة لكنف السلطة التنفيذية في إطار ما سُمي بالمصالحة مع الذات وتغليب مصالح الوطن على حساب الصراعات الشخصية بين القيادات

عربي بوست
تم النشر: 2017/05/05 الساعة 02:38 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2017/05/05 الساعة 02:38 بتوقيت غرينتش

عرف المغرب مباشرة بعد استحقاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2016 التشريعية مرحلة جمود غير مسبوقة، إبان مفاوضات تشكيل الحكومة الثانية، تحت إشراف رئيس الحكومة المعيَّن سابقاً عبد الإله بنكيران.

المفاوضات انطلقت مباشرة بعد احتلال حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى للانتخابات للمرة الثانية، وليبرز علو كعبه أمام ما بقي من الأحزاب، على كثرتها وعراقتها وتاريخها النضالي.

بيد أن ما حدث مع توالي الأيام لم يكن متوقعاً، ففي نهاية الولاية الأولى بدا أن الأغلبية الحكومية ستظل ذاتها في ظل انسجام المواقف والتصريحات، بل حتى إن حزب الاستقلال كان قاب قوسين أو أدنى من العودة لكنف السلطة التنفيذية في إطار ما سُمي بالمصالحة مع الذات وتغليب مصالح الوطن على حساب الصراعات الشخصية بين القيادات.

وأرى شخصياً أن تضييق مجال التفاوض، بل وتضييق الخناق أيضاً على بنكيران يعود لسببين؛ له يد في أحدهما، وعليه يقع وزره، بينما يظل السبب الثاني غامض الدوافع.

فبداية انتظر عبد الإله بنكيران انعقاد المؤتمر الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار بطلب من عزيز أخنوش، الذي كان يعلم مسبقاً أن فوزه بمنصب رئيس الحزب محسوم لصالحه، وبما أنه "يمتلك" حقيبة وزير الفلاحة والصيد البحري باعتباره أحد أكبر المستثمرين في القطاع الفلاحي للبلد، وكذا لعلاقته الطيبة مع القصر، فقد اعتقد بنكيران أنه سيساعده في تسيير المفاوضات وتشكيل الحكومة، رغم أن مدة الانتظار بلغت شهراً، ما ترك للرئيس المعين عشرة أيام فقط من المدة الدستورية لتشكيل الحكومة.

ولا أعتقد أن بنكيران قد توقع من أخنوش أن يجر وراءه مجموعة أحزاب لم تعد تحفظ من تاريخها النضالي الكبير سوى الاسم وبعض الوجوه التي بذاتها انقلبت على تاريخها، وصارت تتبع العبث حيثما وُجد في مناوشات شخصية لا تسمن ولا تغني من جوع.

فقبل عام فقط أطاح العدالة والتنمية بمحمد ساجد رأس الهرم في الاتحاد الدستوري من عمادة الدار البيضاء بعد حملة شرسة ضد الريع، والفساد الذي عرف توليه شؤون العاصمة الاقتصادية.

كما أن إدريس لشكر لم يتوانَ يوماً في كيل الوعيد وتصيد الأخطاء والزلات لبنكيران وحكومته، ما يجعل وُلوجه في الأغلبية الحكومية مسألة أنفة وكرامة شخصية قبل كل شيء.

أما السبب الثاني فيتعلق بحميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال، وما أدراك ما حزب الاستقلال. عمدة فاس السابق الذي لطالما تناحر وتصارع مع بنكيران من خلال تصريحاتهما في التجمعات الخطابية، خاصة في فترة الانتخابات الجماعية قبل قرابة السنة والنصف؛ لأن لسانه كما فعلت مواقفه قبيل الانتخابات مبرزاً رغبته ورغبة حزبه في العودة لما يعتبر المكان الطبيعي لحزب الاستقلال بجانب الأغلبية.

تركيز شباط انصب على تصريحاته فيما يخص بنكيران كي لا يزلَّ لسانه، لكنه غفل في جانب آخر وليته ما فعل، فغلطة "شباط" بألف.

تصريحات شباط الماسة بسيادة موريتانيا على أراضيها أدت توتر العلاقات وحساسية بين البلدين وأثار الجدل حول الموضوع مجدداً، خاصة بعد الجهود المضنية للدبلوماسية المغربية لكسب تعاطف الدول الأفارقة، وتحسين موقفه الذي بدا واضحاً في التقرير السنوي للأمم المتحدة حول الموضوع.

تصريحات شباط استبعدت حزبه من حسابات التشكيل الحكومي، ووضعت بنكيران في ورطة لم يجد معها ورقة ضغط تفتح له الباب أمام الاستغناء عن تركيبة أخنوش الرباعية.

كان لما سبق اليد في تفعيل وضعية البلوكاج الحكومي التي دامت شهوراً خمسة قبل أن يأتي الحل على يد الرزين سعد الدين العثماني، الذي استطاع أن يفعل في أيام ما عجز عنه سلفه في شهور.

والحق أن العثماني لا يملك عصا سحرية، لكن أي اسم غيره كان سيصل لنفس القرارات حتى لو انقلبت الأدوار، وكان بنكيران بنفسه رئيساً معيناً ثانياً للحكومة؛ ذلك لأن الوضع لم يعد يحتمل أن يطول أكثر، فلا المصالح الاقتصادية للدولة ولا وضعها الدبلوماسي مع العودة للاتحاد الإفريقي ولا ضغط الرأي العام كان يسمح بذلك، وربما قد يصدم البعض بأن الرابح الأكبر هو بنكيران الذي تم تحريره من مسؤولية كبرى، وفي ظرفية صعبة برأس مرفوع ومواقف بطولية بالنسبة لأعضاء حزبه، بينما يدفع العثماني الثمن بعدما كال له البيجيديون سيول التهم والتخوين وبيع المبادئ، وإن كانوا لما في الكواليس لا يعلمون.

وعموماً يظل البلوكاج الحكومي سطراً جديداً في تاريخ المشهد السياسي المغربي، وفصلاً استوجب الحدوث، يمكن اعتباره قد مر بسلام ما دامت الدولة لم تنهَر اقتصادياً ولم تتأثر عملتها، كما أن مصالحها السياسية المتجهة نحو الجنوب لم تختل في هذه الفترة، إضافة لعدم حدوث احتقان شعبي أو غيره.

كل هذا يؤدي بنا للقول إنها مرحلة كان من الواجب على السياسة المغربية خوض غمارها، وامتحان للدستور المغربي وبعض فصوله التي كانت مجرد سيناريوهات احتمالية حدوثها ضئيلة، مما خلق مجموعاً من التأويلات لمضمون النص الدستوري.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
تحميل المزيد