“الطيِّب” بين الأمس واليوم

أحمد محمد أحمد الطيب، الإمام الأكبر شيخ جامع الأزهر منذ 19 مارس/آذار 2010 إبان حكم المخلوع مبارك الذي عيّنه وأحد أبرز أعضاء أمانة السياسات للحزب الوطني المنحل، ذلك الرجل الذي لم يجد أي حرج في عضويته في الحزب الحاكم آنذاك وترؤسه مشيخة الأزهر خليفةً للدكتور محمد السيد طنطاوي، حيث كان لا يجد تعارضاً في ذلك، إلى أن أُجبر على الاستقالة آنذاك تحت ضغوط، فكان بدوره أحد صمامات الأمان للنظام حينها؛ لتبعية مؤسسة الأزهر للنظام السياسي الحاكم.

يبرز دور شيخ الأزهر، أحمد الطيب، في ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني؛ فرغم تصريحاته الحذرة في البدايات فإنه ما لبث -وبعد الخطاب الثاني لمبارك قبيل معركة الجمل- أن صرح، بوضوح، بحرمة التظاهر شرعاً وأنها دعوة للفوضى؛ ليكون بذلك الغطاء الشرعي لما حدث من أحداث بعد ذلك ويكون مسؤولاً عما أريق من دماء. وبعد تنحي المخلوع في بيان عمر سليمان الشهير، يخرج علينا الإمام الأكبر محذِّراً من استمرار المظاهرات التي أصبحت “لا معنى لها” و”حرام شرعاً” بعد انتهاء النظام الحاكم وتحقيق مطالب الشباب ومن ثم زال المبرر الشرعي للتظاهر.

وعن بطولات الإمام الأكبر، لمن يسأل؛ ففي مستهل فترته في 2010 رفض الطيب التنديد بالانتهاكات الإسرائيلية الجديدة في المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية وعلل موقفه آنذاك بأن تنديده لن يسفر عن جديد يذكر، وأضاف أن هناك قاعدة أزهرية تقول إن “تحصيل الحاصل محال”، ومن ثم فإن الكلام في قضية القدس وما يجري للمقدسات هناك والاعتداءات التي تقع على المسجد، بلا قيمة وأصبح مضيعة للوقت، وأصر على رفض مطالب الصحفيين بأن يُصدر أي تعليق حول الانتهاكات أو أي أسئلة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وحصار غزة واتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني، في انحياز واضح لموقف نظام المخلوع وسياساته حينذاك.

وبعد أول انتخابات رئاسية حرة بعد الثورة، وبعد إعلان فوز الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية وقبل أن يؤدي اليمين الدستورية، وفي الاحتفال المقام له بجامعة القاهرة عقب إعلان فوزه- انسحب الطيب ومرافقوه تحت حجة أن المقعد المخصص له لا يليق بمقام المشيخة، راسماً بذلك أول خطوط التماس مع مؤسسة الرئاسة المنتخبة والعلاقة الفاترة والمتوترة بين مؤسسة الأزهر ومؤسسة الرئاسة، لذا كان من الطبيعي الدعم الواضح والصريح للطيب لقيادة الجيش المنقلبة وحضوره خطاب السيسي الشهير في 3 يوليو/تموز والذي أعلن فيه عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي وتعطيل العمل بالدستور، ويكون أحد الأقطاب الرئيسة للانقلاب على الثورة.

وفي تصريحاته بعد الانقلاب، بادر الطيب بتصريح لـ”العربية”، حيث قال: “رفضت حضور خطابات مرسي؛ لأنها كانت تشهد هجوماً شديداً على المصريين وتتضمن إهانات بالغة لهم”، وقال الطيب إنه خاض معارك شرسة ضد الإخوان الذين كانوا يسعون بالطرق والوسائل كافة للسيطرة على الأزهر وإخضاعه لهم، مضيفاً بالقول: “لقد تحسّبنا للأمر وتخوفنا من سيطرة الإخوان، وأصدرنا قانوناً من المجلس العسكري الحاكم بعد ثورة يناير/كانون الثاني بأن يتم اختيار شيخ الأزهر من كبار رجال العلماء، واستطعنا الحصول على موافقة المجلس على القانون قبل انعقاد مجلس الشعب بيوم واحد؛ حتى لا يستغل الإخوان الأمر ويسيطروا على الأزهر”، وكانوا قد اختاروا شيخاً كبديل له، في تآمر واضح على الثورة وتكبيل أي محاولة للتطهير واستقلال المؤسسة الدينية الأعرق في مصر.

وبعد تطور الأحداث والحرب التي يشنها نظام السيسي تحت شعار تجديد الخطاب الديني، نالت مؤسسة الأزهر ما نالت من انتقادات لاذعة، سواء من السيسي نفسه أو رجالاته أو إعلامه ليبدأ الطيب في تصدُّر المشهد السياسي تحت وابل من الضغط الهائل، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي استهدفت الكنيستين وانتقادات الأزهر وخطاباته والمناهج الدينية في المدارس، ليظهر مدافعاً عن مؤسسة الأزهر وعلمائها، في خطابات صدامية ولأول مرة مع النظام وأجهزته، مستغلاً تلك الحرب الضروس التي تستهدف المؤسسة في تحويله لأيقونة وترميزه في الدفاع عنها، لربما تتغير المعادلة وتؤخر من نهايته الحتمية؛ فلم يعد ذا جدوى للنظام الآن.

صديقي الثائر، إن ألدَّ أعدائنا العاطفة والنسيان، فمعركتنا واضحة؛ هي استقلالية الأزهر وعلمائه وإصلاح تلك المؤسسة التي عانت ما عانت واستغلالها كغطاء لأنظمة القمع والاستبداد في مصر، مثلها مثل باقي أجهزة الدولة التي كان لها دور في محاولات وأد الثورة.. فلا تجعل دجّال الأمس بطل اليوم!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top