العبودية التلقائية

الإرادة هي كلمة السر نحو التغيير والتحول من مرحلة إلى مرحلة، من الاستعباد إلى الحرية، ولا تقوم الناس بالثورة احتجاجاً على الظلم فقط، بل أملاً في التغيير، وإرادة الشعوب من إرادة الله وفطرته التي فطر الناسَ عليها، إنها انفكاك من استعباد العباد وهضم الحقوق في البلاد إلى العيش بكرامة، إن الإرادة هي التي تغير وجه التاريخ، فكم من الطغاة خربوا أوطاناً ومارسوا ألوان الظلم والقهر والقمع من عسف وتضييق وتخريب وتدمير، لكن الشعوب بإرادتها تستطيع التغيير وتبدأ من جديد.

كما أن الظروف تتغير، والأماكن تختلف، وتتبدل اﻷزمان، لكن حكمة التاريخ تظل تردد أن الطغاة كانوا دائماً سبب الغزاة، والتاريخ يتحفنا دوماً بقواعد جوهرية ثابتة، وعِبَر متواصلة، تعكس سنناً مجتمعية حاسمة أشبه ما تكون بمعادلات رياضية لا تقبل الخطأ، تنسحب على كل زمان ومكان.

يقول عالم الاجتماع المسلم ابن خلدون: إن الطغاة يجلبون الغزاة، ومقولته هذه تعد واحدة من إضاءاته المدهشة، حين أشار إلى الترابط ما بين أدوار الطغاة في بلادهم والغزاة القادمين من وراء الحدود؛ إذ يمهد الطغاة لتدخل الغزاة، حين يتذرع الغزاة الطامعون باحتلال أراضي الغير ونهب ثرواتهم ببطش الطغاة على مواطنيهم، فيجعلون من تحرير هؤلاء من ذاك البطش عنواناً لغزوهم، إن كل غزو يحدث يسبقه دائماً حكم استبدادي ظاهره القوة وباطنة الضعف، يستقوي على العباد ولا يستطيع حماية البلاد.

فالطغاة يتشابهون في الغباء، لكنهم يختلفون في حدوده؛ إذ لا حدود لغبائهم، والطغيان ما هو إلا تدمير لقيم الإنسان الأخلاقية، والطاغية أسوأ ما يوجد على الأرض، سواء كان فرداً أم جماعة، والحكومة مستبدة حين تصبح مطلقة العنان، تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بغير مراعاة لأحد أو خشية من أحد، وأشد مراتب هذا الاستبداد حكومة الفرد المطلق الذي يحكم بالوراثة بلا أصل من حق، وبقوة البطش، والسلطة الدينية.

ويرى الكواكبي أن الاستبداد هو تصرف فرد أو جمع في حقوق القوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وهو صفة الحكومة مطلقة العنان فعلاً وحكماً، التي تتصرف في شؤون الرعية بلا خشية من حساب ولا عقاب، والاستبداد لغة هو غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة.

خضوع الشعوب غير المفهوم لـ”طاغية”
يتعجب دي لابواسييه في كتابه “العبودية المختارة” حين يقول: “شيء واحد لا أدري كيف تركت الطبيعة الناس بلا قوة على الرغبة فيه وهو (الحرية) التي هي الخير الأعظم، وضياعها تتبعه النكبات تترى، وما يبقى بعده تفسده العبودية وتفقده رونقه”.

يصف لابواسييه الديكتاتورية فيقول: ما هذا يا ربي؟ كيف نسمي ذلك؟ أي رذيلة تعيسة أن نرى عدداً لا حصر لهم من الناس يحتملون السلب والنهب وضروب القسوة لا من عسكر أجنبي، بل من واحد لا هو بهرقل ولا شمشون. إن لكل رذيلة حداً تأبى طبيعتها تجاوزه. فأي مسخ من مسوخ الرذيلة هذه لا يستحق حتى اسم الجبن، ولا يجد كلمة تكفي قبحه، والذي تنكر الطبيعة صنعه، وتأبى اللغة تسميته؟

يعتبر كتاب “العبودية المختارة” هو أحد أشهر النصوص السياسية والفكرية في التاريخ الأوروبي التي تعالج قضايا الطغيان ودور رجل الشارع العادي في دعم الطغيان وإتاحة الفرصة له كي يزدهر ويستمر، ولم يكتب أحد أفضل مما كتب ايتان دي لابواسييه، يناقش سلوك الناس وطاعتهم المختارة للطاغية؛ حيث يقول إن الشعوب “هي التي تخلق الأكاذيب حتى تعود فتصدقها، والطغاة لا يكتفون بالتحكم بمكنونات الطاعة، بل يطلبون الإخلاص من المريدين الذين عليهم العمل بما يقول الطاغية، إضافة إلى التفكير فيما يريد، وغالباً ما يكون عليهم أن يحدسوا ما يدور في خلده حتى يرضوه”.

ولكي نفسر هذه العلاقة لا بد أن نعي أن خضوع الأفراد والأمم للاستبداد هو علاقة تبدأ وتنتهي عند قدرة المستبد أو الطاغية على التحكم في التصور والعقل الجمعي للمحكومين، ولذلك لا بد أن يلجأ المستبد أو الطاغية للسيطرة على هذا العقل الجمعي إما عن طريق التخويف أو التضليل، وكلاهما ينطوي على درجة من الإيهام، فتخويف الأقوى وهو (المجتمع) من الأضعف وهو المستبد، يتطلب تغييب حقيقة قوة المستبد، وتصويرها على أنها قوة لا تُقهَر، أما عملية التضليل فإنها هي الأخرى تمتاز بتعقيداتها وتشابكاتها، فعلى الرغم من بساطة أصلها ذلك فإنها في الواقع لا تخرج عن كونها دعوة للمستبد به (المجتمع) لقبول الواقع واعتباره أفضل من غيره.

وبهذا يتضح أن دور الاستبداد الفاعل يكمن في حيز قدرة فعل السلطة في عقل الأفراد، وكلما توسع هذا الحيز زادت قدرة الاستبداد على تزيين الواقع وتقبيح كل نقد أو تذمر من قِبَل المحكومين؛ ليظل التضليل بذاته أقوى أسلحة السلطة، وتظل عقول الأفراد المحكومين هي أكبر غنائم السلطة لترسيخ معاني استبدادها وتكريسها، بل حين تحكم السلطة سيطرتها على العقل الجمعي للمجتمع نجدها تجند كل القوى الفاعلة والمؤثرة في عقول أفراد المجتمع لصالحها، سواء كانت هذه القوى الفاعلة إعلاميين ومفكرين ومثقفين أو رجال الدين، بل وكل من يمتلك سلطة على عقل الفرد تحاول السلطة كسبه واستخدامه لتأكيد وزيادة مساحة التأثير في عقول المحكومين!

إن ما تحدث عنه دي لابواسييه هو انقياد الإنسان طوعاً إلى ما يقهره ويسلبه حريته، حتى إن المرء ليعجب من كون قاهر واحد يستعبد آلافاً من البشر، بل شعوباً وأوطاناً، إنه لأمر يدعو للعجب أن ترى الملايين يخدمون في بؤس وقد غلت أعناقهم دون أن ترغمهم على ذلك قوة أكبر منهم، بل يبدو أنه قد سحرهم، نعم إنه السحر الجديد، فعندما أراد البعض تعريف السحر قالوا إنه الشيء على غير حقيقته، وعندما وصف القرآن عمل السحر ذكر تصور موسى عليه السلام “خيل إليه من سحرهم أنها تسعى”، فهذا التخيل لشيء ليس له حقيقة يتم من خلال اغتيال العقل بطريقة خفية ومدروسة.

إن دي لابواسييه يريد أن يقول إن الشعوب هي سبب الاستبداد أو “العبودية المختارة”، كما يسميها، وسبب كل ذلك الاستبداد الذي ترزح تحته، فلابواسييه طرح تساؤلاً مفاده أنه “كيف أمكن لهذا العدد الهائل من الناس أن يحتملوا أحياناً طاغية واحداً لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه، ولا من القدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا يستطيع إنزال الشر بهم لولا إيثارهم الصبر عليه بدلاً من مواجهته”؟

فالشعوب هي مَن تقيّد نفسها بنفسها، وهي من تعطي الفرص للمستبد لفرض سلطته، وهي من تكبل نفسها بنفسها، وهي التي تقهر نفسها بنفسها، وهي التي تملك بين خيارين؛ إما الرق أو العبودية، وهي من تدفع المستبد إلى ممارسة التسلط، بل هي من تضع الأغلال في رقابها وأيديها حين تفقد حس التطلع إلى الحرية، وتألف الخضوع والاستسلام للحاكم المستبد، وتضع مصيرها في يده.

ولهذا أطلق صرخته لهذا التخدير الذي يحول بين المرء وإدراك سر اطمئنانه إلى عبوديته، والمسؤول عن قلب ميزان القوى بين القاهر والمقهور، فيصبح الضعيف قوياً والقوي ضعيفاً، أو بمعنى أوضح أن قوة الشعب يتم إسقاطها على فرد فيصبح أقوى، ويفقد الإنسان ماهيته الأساسية، الجوهر الذي حَبَتْه إياه الطبيعة، أنه وُلد حراً، وتولد معه إرادة الدفاع عن حريته، نعم إن لابواسييه يصرخ قائلاً: نحن جميعاً أحرار بصورة طبيعية؛ لأننا معاً سواسية، أن تكون حراً يكفي أن ترغب في الحرية كون مصدر الاستعباد قوة خارجية.

إن تحليل لابوسييه للعبودية يقوم على مسألتي الإكراه والخديعة، والتاريخ الإنساني حافل بالأمثلة، كثيرة هي الشعوب التي استمرأت عبوديتها، ماضياً وحاضراً، ووصل الخوف إلى درجة الاستلاب، وفقدت ليس فقط حريتها، بل والقدرة على الاستيقاظ لاستردادها، حتى يهيَّأ لمن يراها أنها لم تخسر حريتها، بل كسبت عبوديتها، ويمكن أن ننهل من واقعنا العديد من الأمثلة؛ حيث تعددت صور الخنوع والعبودية للطغاة، الذين تعددت ألقابهم، وثقلت أوصافهم، فمن “القائد الملهم” إلى “القائد الرمز”، وصولاً إلى “القائد الخالد و”الأب القائد”.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top