بوووم طوارئ

وفقت أمام المرأة متأملاً وجهي القبيح الجميل ذا النصفين، وإذ بي أتأمل حال مصر، فرأيت في وجهي أحداث الحياة اليومية وما يجري على أرضها من وقائع، ففي أحد الشعانين بينما يحتفل أقباط مصر بأعيادهم فجَّر انتحاريان نفسيهما في كنسيتين متفرقتين، بدأت الأولى في كنيسة مارجرجس بمدينة طنطا لتلحقها بعد ذلك الكنيسة المرقسية بالإسكندرية؛ ليتحول العيد ؤلى مأتم، وصل عدد الضحايا إلى خمسين قتيلاً، وأكثر من مائة مصاب في حالة حرجة، وهو حادث إرهابي خسيس، فأي منطق هو الذي دفع هذين الانتحاريين أن يقدما على ارتكاب ذلك الفعل سوى الجهل الذي أودى بحياتهم وحياة أقباط مصر في أعيادهم، وهو ما رأيت قبح وجهي فيها، لكن هذا القبح امتد ليشغل ردود الفعل التي اتبعت هذا العمل الإرهابي، تمثلت في فرض حالة الطوارئ للدرجة القصوى، وهو ما سيطلق ذراع السلطة للمزيد من التجاوزات والقمع بحرية دون مساءلة بحجة الطوارئ والحرب على الإرهاب.

ونحن لسنا غريبين عن ثلاثين عاماً من القمع بحجة الطوارئ التي أنتجت إرهاباً وفكراً أصولياً وتشدداً وتطرفاً بأشكال عديدة وأحداث كثيرة لم تقضِ وقتها على الإرهاب بل على العكس من ذلك.

ومنذ إعلان الحرب على الإرهاب في 2013 وما صاحبها من صدور لقوانين عدة قضت بدورها على الحريات وأغلقت مجال العمل العام، منها قانون التظاهر، وقانون الإرهاب، ومد فترات الحبس الاحتياطي، ورفع حالة التأهب والاستنفار، وتحول الدولة بالكامل إلى بوليسية، وكل ما سبقه سبق صدور إعلان حالة الطوارئ فماذا كان الحصاد؟

زيادة وتيرة العمليات الإرهابية وحبس أبرياء باعتراف من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتركهم متعفنين عالقين في الحبس لحين صدور قانون عفو شامل أو عفو رئاسي، وإلى حين يأخذ القرار مجراه في دهاليز البيروقراطية والروتين ما ينتج عنه فقدان الأمل والثقة في وعود الحكومة لحل هذا الملف المعقد.

وانهيار قطاع السياحة وركود الاقتصاد، هذا بخلاف حالات الاختفاء القسري، والتعذيب لحد القتل في الأقسام إلى جانب تقارير الإدانة الدولية عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، التي تشوه صورة مصر أمام المجتمع الدولي، مع إطلاق حالة الطوارئ ستتفاقم الأوضاع، وتكون الدولة بذلك لا تحارب الإرهاب، بل تقويه وتولده وتغذيه، كما أنها بإعلان تلك الحالة تكون قد أعلنت ضمناً انتصار الإرهاب عليها وعلى المجتمع.

وأقتبس هنا قول وزيرة الداخلية البريطانية آنذاك تريزا ماي، بعد وقوع سلسلة من الأحداث الإرهابية في العاصمة لندن، عندما سئلت عما إذا كانت ستفرض حالة الطوارئ أو سيتم أخذ إجراءات استثنائية لصد العمليات الإرهابية فكان ردها كالآتي:
إذا أخذنا إجراءات استثنائية تقيد على أثرها الحريات وقيم مجتمعنا، فإننا بذلك نكون قد أعلنا انتصار الإرهاب علينا وعلى مجتمعنا، وهو ما لن أسمح به.

أما الذين يهللون ويبررون كل أفعال خاطئة وقيامهم بعقد المقامرات مع الدول المتقدمة، بحجة أنهم يأخذون نفس الإجراءات الاستثنائية على الرغم من أن الدول المتقدمة تتغنى بالحرية، فهم يعقدون المقارنات في الإجراءات السلبية فقط، ولا يعقدونها في الإجراءات الإيجابية، لكننا نعلم علم اليقين الفرق بين العالمين العربي والغربي في قضايا الحريات والتعامل مع المواطنين، وهم يعقدون المقارنات في غير محلها بغية التضليل، كما أنهم بخطابهم هذا وردود فعلهم تلك يرسخون ويعمقون فكرة الانقسام، وكأنهم يعملون ويتعاونون مع الإرهاب؛ نظراً لسطحيتهم وتباعاً يرددون في رسائلهم أن الأقباط والمسلمين هم في عداء ولا مكان للوحدة بينهم وهو ما يخالف الواقع.

وهم بذلك أيضاً يعملون على انهيار الدولة شعباً ونظاماً والمصيبة في اعتقادهم أنهم يعملون لصالحهم، وكما نعلم جميعاً في مصر أن حالات التجاوز وأخطاء السلطة ليست شاذة أو نادرة، بل على العكس هي إيقاع العمل الحكومي وشعاره الدائم!

وفي حالة الطوارئ سيكون هناك غطاء وتبرير للتجاوزات، فكان حرياً بهؤلاء أن يتحدثوا عن أسباب الإرهاب وكيفية اجتثاثه من جذوره، وتجفيف منابعه الفكرية، بدلاً من مباركة المزيد من الأعمال القمعية، وكبت الحريات التي تأتي دوماً بنتائج على عكس المرجوة.

أما هذا الإرهاب الذي تبرر له كل الإجراءات اللاعقلانية، هو عدو غير تقليدي، غامض، فهو كائن زئبقي يصعب التنبؤ به، فما تلبث أن تقضي عليه في حيز أو تمسكه حتى يتفتت وينفرط ليفعل ما يفعل في حيز جديد.

فمن الأولى كان إعلان الحرب والاستنفار على مثلث الظلام – الفقر الجهل المرض – وهو عدو نعلم جيداً حدوده ونحيط أيضاً بكل جوانبه.

يمكن للدولة القضاء عليه وتسخير كل الجهود والطاقات في خطة مدروسة تصحبها إرادة قوية، فتجد بعد فترة وجيزة أنك قد قضيت على مثلث الظلام والإرهاب معاً.

أفقت من الاستغراق في نصف وجهي القبيح لأتحول بالنظر إلى النصف الآخر، وهو الجميل، لأجد أنه تمثل في ردود فعل الأقباط، التي تجسدت في تصريحاتهم التي تنم عن عمق الأفكار، وسمو في الروح ووعي ومسؤولية تامة لما يجري من أحداث، بشكل لا يدع مجالاً للشك أن الأقباط هم فخر لمصر، والدليل على ذلك أن الأقباط هم من حافظوا على التراث الحضاري الفرعوني بكنوزه وفنونه وعلومه وورثوها جيلاً بعد جيل؛ ليشكلوا وعي المصريين من خلال جذورهم الممتدة عبر الزمان والمكان في كل ربوع مصر، وتعاملهم المتحضر مع كل الحضارات التي شكلت وعي مصر، وسطرت تاريخها من يوناني وروماني إلى عربي وإسلامي؛ ليمسوا بذلك الكنز الحقيقي لمصر.

هكذا وقف نصفي القبيح اللامبالي متباهياً يرمقني بنظرة ساخرة كلها ثقة بأنه المنتصر في كل العصور والأزمان.. هو الأقوى.. هو الحياة.. وزاهياً مستهزئاً ردد: في كل النهايات، أنا من يسطر.

النهاية
أما أنتم فلا تزالون أغبياء ضعافاً متخبطين ومترددين وهو غذائي لأنتصر عليكم، وهكذا أيضاً وقف نصفي الآخر (الجميل) ناظراً للأسفل.. صامتا.. مغلقاً عينيه، ثم فتحهما ليرمقني بنظرة لم أفهمها..
على الاقل بادر ليفتحهما مرة أخرى.

أنا نصفان؛ نصف ضاحك وآخر لا مبالٍ، أنا شخص تجمعه المتناقضات الأبيض والأسود، أنا في مكان ليس على الأرض ولا في السماء، معلق ذو إمكانات محدودة حتى في أبسط الأشياء التي ممكن أن تخطر على بالك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top