في ختام هذه التدوينات حول العلمانية، قد يكون من المفيد أن أوجز أهم الأفكار التي تم طرحها في هذه السلسلة كمحاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين الديني والعلماني، وتقديم وجهة نظر مغايرة، قد تسهم في التغلب على التصورات النمطية وسوء التفاهم المتبادل بشأنها.
أولى هذه الأفكار هي أن الإشكالية التي تناقشها العلمانية، وهي علاقة الديني بالسياسي، أو بشكل أوسع الوظيفة الاجتماعية للدين، ليست إشكالية حصرية في السياق الأوروبي نتيجة طبيعة العقيدة المسيحية والتطورات التاريخية الحضارية التي مرت بها النظم الاجتماعية والسياسية في أوروبا، بل هي إشكالية لها تجلياتها في مختلف السياقات الأخرى، بما فيها السياق الإسلامي، فالفصل المؤسسي بين السلطة السياسية والسلطة الدينية (بمعنى سلطة تفسير النصوص الدينية) تجسد في التمايز -ومن ثم التوتر في العلاقة- بين المؤسسات السلطانية والعلمائية في الخبرة الإسلامية، كما أن الأدوار السياسية التي لعبها الدين الإسلامي في المجال السياسي من بناء الهوية وإكساب الشرعية وتوجيه السياسات العامة، هي ذاتها التي لعبتها المسيحية في الخبرة الغربية، مع اختلاف الأطر التنظيمية والوظيفية في كلتا الحالتين.
ثانيا:
إن فهم العلمانية من منظور الوقوف على نشأة المصطلح Secularism واشتقاقه، أو المصطلحات المناظرة التي ترجم إليها في السياق العربي الإسلامي (الدهرية، واللادينية، والزمنية، والدنيوية، والعلمانية) لن يفيد كثيراً في إدراك حقيقة هذه الظاهرة، كما أن التعريفات الأولية مثل تعريف العلمانية باعتبارها مجرد فصل للدين عن الدولة هي تعريفات تبسيطية لا تحيط بالظاهرة من أبعادها المتعددة: القيمية والمؤسسية والهوياتية والوظيفية، كما أن بعضاً من هذه الأبعاد لا يمكن تحقيقه عملياً كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.
ثالثاً:
تعريف العلمانية الذي تقترحه هذه التدوينات هو اعتبارها عملية إعادة إنتاج الدين وفق شروط الحداثة، وبالتالي هي
ليست بالضرورة لا دينية أو ضد الدين، بل أحياناً هي مجرد نمط مختلف غير تقليدي من التدين. فالحداثة وقد ارتبطت بتغيرات إبستمولوجية أساسها مركزية الإنسان، وهذا العالم بديل عن مركزية الإله والعالم الآخر، واعتبار العلم التجريبي والعقلانية أساساً للمعرفة البشرية، وبما أنتجته من نظم اجتماعية سياسية واقتصادية فإنها أثرت ضمن ما أثرت به على الظاهرة الدينية ووعي الإنسان وتعاطيه مع هذه الظاهرة.
رابعاً:
عملية إعادة إنتاج الدين وفق شروط الحداثة، يمكن تصنيف منتجاتها إلى ثلاثة أنماط:
أ. “تديين” الحداثة، بمعنى أنها صارت معتقداً ورؤية كونية، وليست مجرد تغيرات معرفية واجتماعية قد تحمل أوجهاً إيجابية وأخرى سلبية، وهذا النمط ارتبط بالإلحاد، وأنتج علمانية مناهضة للدين، تسعى لإنهاء وجوده من المجالين العام والخاص، على حد سواء.
ب. خصخصة الدين، بمعنى حصر الدين -أو حصاره- في المجال الخاص، وذلك عن طريق علمنة المجال العام بمختلف نطاقاته السياسية والاقتصادية والقانونية ونحوها، بحيث يصبح الدين بالأساس شأناً عقدياً وشعائرياً خاصاً يتعلق بالضمير الشخصي، مع القبول بأدوار قيمية محدودة للدين في النطاقات الاجتماعية.
جـ. علمنة التدين، بمعنى الإيمان بدور أساسي للدين ليس فقط في المجال الخاص، بل وفي المجال العام أيضاً، لكن -في المقابل- فإن أدوار الدين الاجتماعية نفسها تمت علمنتها بدرجة أو بأخرى، أي جعلها أكثر اتساقاً مع العلم التجريبي والعقلانية، وأكثر اهتماماً بإشكاليات هذا العالم من الأمور الثيولوجية والأخروية.
وختاماً، فإن ما حاولت أن تقدمه هذه الأفكار هو منظور جديد للخروج من أسر التصورات النمطية من طراز العلمانية/الإلحاد أو الدينية/الظلامية، ومن الأسئلة المضللة والمقولات التبسيطية، مثل العلمانية كشرط للتقدم أو الدين غير المنسجم مع الحداثة إلى تصورات ومقولات أكثر تركيبا، بحيث يتم توجيه الجدل إلى كيف يمكن إيجاد صيغ أكثر إيجابية في التعاطي مع الحداثة والفرص والتحديات التي تفرضها على وعينا وإدراكنا للدين ووظائفه السياسية والاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى، كيف يقوّم الدين بهديه الإلهي وموروثه البشري الطويل والثري من الحداثة واعتلالها الروحي والأخلاقي.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.