معَ كل حَدَثٍ سياسي يخصُ سوريا بالذات، تعودُ “هزاتِ البَدَن” إلى الواجهة، عندما أجدُ نفسي مُضطرةً لتحمل “نفسيات” مريضة، وقراءة مقالات ومشاهدة حوارات تليفزيونية ونقاشات لا فائدة منها، للمحللين العرب الذينَ انتشروا في كل مكان كانتشارِ النار في الهشيم، وما أكثرهم بينَ صفحاتِ التواصل الاجتماعي! وكأن التحليل السياسي غدا مهنةَ مَنْ لا مهنةَ له! وما يزيدُ الطِينَ بِلَة عندما تكونُ “هزَة البدنِ” تلك ممن يحملونَ الجنسية السورية والمحسوبينَ على الشعب السوري، تقرأُ لهم منشوراتٍ وتعليقاتٍ تحملُ من الكرهِ والحقد والتشفي الكثير في حق إخوتهم السوريين.
ولكن، أعودُ وأقول بيني وبين نفسي مُواسيةً: إنها ضريبة الحرية والديمقراطية التي هَتَفَ وحَلُمَ بها كل سوري وعربي حر، وإلا فما الذي يُجبرني على قراءةِ منشورٍ في فيسبوك أو تويتر يقولُ صاحبه فيه بأن الكيماوي كِذبة اخترعتْها المعارضة وأن هؤلاء الأطفال ليسُوا سوى ممثلين؛ أي إنهم جزءٌ من تلكَ المسرحية ذاتِ الحَبْكة المُحكمة.
يقولها ذلك “الفَهْلَوي” بدمٍ بارد وهو يجلسُ مع “أركيلته” يتغزلُ ببناتِ “أوروبا” الجميلات، يقولها وهو يأكلُ ويشربُ على حسابِ مَن قُتلوا هناك، في خان شيخون، وبالغوطة، وفي كل شبرٍ من سوريا.
ما الذي يُجبرني أيضاً على تحمّل نقاشٍ عقيم مع مَن يضعونَ أنفُسَهم في خانةِ “الرماديين” أو “الحياديين”، في حين أن كل الدلائل من البداية تشيرُ إلى أنهم من جماعة: “إذا راح بشار مين رح يجي بدالو”، وتكتملُ “هزات البدن” وأنا أستعرضُ تحليلاتهم التي تشير جميعُها إلى أن المعارضةَ هي مَن ألقتْ بتلكَ الصواريخ لتقتل نفسَها، باعتبارِ أن حكامنا الطواغيت يمتلكونَ قلباً رحيماً وذكاءً حاداً يمنعُهم من ارتكابِ جريمةٍ إنسانيةٍ كَهذه!
وكأنَ تاريخنا العربي يخلو من جرائمَ مُماثلة! ولنا في “حلبجة” ألفُ عبرةٍ ومَثَل، وهنا يخطرُ في بالي عدةُ أسئلةٍ لصاحبِ المنشوراتِ الشامتة والمكذّبة لقصة الكيماوي، الجالسِ وراء شاشتِهِ الصغيرة، مُنظّراً ومحللاً و”مُتفزلكاً” كذلك.. أسئلة لمْ أجدْ لها جواباً لحد الآن: “لماذا تركتَ سوريا -يا عزيزي- بما أنك من المؤيدين ونظامُك البطل يحققُ انتصاراتٍ مذهلة ويقضي على كل الإرهابيين!”.
لماذا تطلبُ اللجوء وأنتَ على ثقةٍ بانتصاراتِ قائدك؟! لماذا تخليتَ عن بلدك وهي بأمسِّ الحاجةِ لك ولِصُدُورِ إخوتكَ العارية، طالما “خِلْصِتْ” ولم يبقَ سوى القليل وتتطهر أرضُك الطيبة من الخَوَنَة؟!
لا أعتقدُ أنك ومن سواك تمتلكُونَ أجوبةً مُقنعة، ليسَ بمقدوركِم سوى أن تهزوا أبداننا معَ كل عبارة حقدٍ تلقونها هنا وهناك، ثم تذهبونَ بعدها لتكملوا يومكُم وكأنَ شيئاً لم يحدُث في تلك البلادِ المنسية!
بعدَ الهجوم الأميركي على مطارِ “الشُعيرات” العسكري الذي خرجَتْ منه صواريخُ النظام لتقصفَ خان شيخون بالكيماوي انقسمَ العربُ كعادتهم إلى:
– مؤيد للضربة.
– ومُعارض لها.
– وحيادي، وهو الأخطر دائماً.
عادت إلى الواجهةِ أسطوانةُ العراق والحربِ عليها وكأننا نسينا تلكَ الحرب، ليعودَ ويذكرنا بها وبأحداثها، المُمانعون والقومجيون العرب، متناسينَ أن صدام كما بشار، كلاهُما دكتاتور وطاغية، وهم مَن أوصلوا بلدانهم إلى الحالِ التي هيَ عليه الآن.
المؤيدُون للضربة: أغلبهم من المُعادينَ لنظامِ الأسد وسياسته، منهم مَن رأى أنه آن الأوان ليقفَ عند حده ولا مجال لذلكَ سوى بالاستعانةِ بالدول العظمى كأميركا، ومنهم مَن رأى أن الشعب السوري لا يستحقُ كل ما حدثَ ويحدُثُ له، خاصةً بعد الخِذلان العربي والعالمي، ومن ثم فأيُ ضربةٍ سيكونُ من ورائها سقوطُ الأسد، وإن كان احتمالاً ضعيفاً فسَيباركُها؛ لأن الغريق يتعلقُ بقشةٍ مُهترئةٍ أحياناً، حتى وإنْ كانتْ تلكَ الضربة والقشة مجرد “قرصةِ أذن” تأتي خفيفة ولكنها دونَ ألمٍ كبير.
المُعارضون للضربة: همْ عادةً من المؤيدين لنظامِ الأسد أو ممن يُخفون تأييدهم له، يؤمنونَ بالعروبة ديناً والقوميةِ وطناً، والمقاومةِ سلاحاً والمؤامرةِ حجة، يجدونَ في الضربة الأميركية على سوريا بدايةَ احتلال جديدٍ شبيهٍ باحتلالها للعراق، لم نسمعْ لهم صوتاً عندما كانتْ روسيا تستبيحُ سماءَ سوريا صباحاً ومساءً، ولم تصدحْ حناجرُهم بكلمةِ تنديدٍ واحدة عندما كانَ لإسرائيل وأميركا وإيران صولاتٌ وجولاتٌ فوقَ سماءِ سوريا؛ بل اكتفوا بالصمت والترقب الذي لا طائلَ منه.
تجد من بين هؤلاء أيضاً، فئة ممن يطالبونَ بالحرية والديمقراطية في بلدانهم، يدعونَ لإسقاط رئيسهِم والانتفاضِ عليه بـ”كفى” وما سِوَاها، يُلقبونَ أنفُسَهم بـ”دُعاة الحرية والنضال والمقاومة” وهمْ أبعدُ ما يكونُ عنها، وكأنَ الحريةَ حلالٌ عليهم، حرامٌ على الشعبِ السوري! من صفاتهم أيضاً أنهم يؤمنون بحزب اللهِ حزباً مقاوماً، مرددين: “ألا إن حزبَ اللهِ هُمُ الغالبون”.
الحيادي أو الرمادي، يقول فرانكلين روزفلت: “حتى الشخص الحيادي لا يمكنُ أن يُطلبَ منه أنْ يُوقِفَ ذهنه أو يُوقِفَ ضميره”، إلا أن الحيادي في وقتنا بلا ضمير، اتخذ من قول علي بن أبي طالب شعارَه، فهو كما قال عنه: “خَذَلَ الحق ولم ينصُرِ الباطل”.
يتصفُ الحيادي بأنه أكثرُ شخصٍ يُصيبُ مَن حولَه “بالجَلَطَات”؛ اختارَ أن يقفَ متفرجاً إلى صف مَنْ سَترجحُ الكفَة ليحددَ بعدها طريقَه وموقفَه، لا يهمه مِمَا يحدُثُ حولَه سوى مصلحته الشخصية، لا يزال يستشيرُ عقلَه في مسألةِ مَنْ قصف الغوطة وخان شيخون بالكيماوي؟ بشار الأسد أم المعارضة؟
حتى وإنْ قُدمَت الدلائلُ له على أن النظام هو مَن قصفَ شعبَه فسيبقى يتساءل، نافياً عن نفسه تهمة أن يكون مؤيداً، في حين أنه قد حددَ مُسبقاً إلى جانبِ مَن سيقف.
ولأن “هزات البَدن” كما المصائب لا تأتي فُرادى، فقد نجحتْ أنظمتنا العربية المستبدة في جعلنا نندمُ عليها بعد سقوطها، أصبحَ بإمكانها الآن إسكاتُنا وتخويفنا وجعلنا نتحسر عليها ونحن نراقبُ نتائج الثورات الأخرى، بألم وحرقة.. لا تفتأُ تذكرنا عند أول كلمة “لا” نريدُ قولَها بما حدثَ في العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن وتونس، لتنسينا ما نطالبُها به من حقوق وواجبات.
تخيفُنا من عدو خارجي ومحتل قائلةً: إياكم واستبدالَنا بالغُزاة” وهُم مَن جلبوا كل أشكال الاحتلال إلى عقر ديارنا بأيديهم ورغبتهم؛ لأنهم يضعونَ كرَمَهم دائماً في غيرِ محله، يتناولونَ كلمةَ “مؤامرة”، كما الدواء، ثلاثَ مراتٍ في اليوم، حتى فقدتِ الكلمةُ معناها الحقيقي وأصبحتْ على لسانِ كل المجرمين والقَتَلة والرعاع.
بل ونجحوا أيضاً في استنساخِ كائناتٍ صغيرة تشبههم، تبرر لهم ما يفعلونَ من مجازر جماعية، تصفقُ لهم بعد كل خطاب، وتحملُ عنهم عبءَ المناظرات.. ترفعُ صورهم في كل مكان مع عبارة “بالروح بالدم نفديك” كائناتٍ وُلدوا ليجدوا أنفسَهم يحملونَ عدة أسماءٍ بمعنى واحد، فهنيئاً لهم ولأنظمتهم بما زرعوا وبما سيحصدون.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.