في مقال سابق بعنوان الديمقراطية في زمن التيارات الشعبوية، ذكرت صعود هذا التيار الخطير الذي أصبح يتفشى بصورة كبيرة في أروقة السياسة الغربية عموماً، وفرنسا خصوصاً، متمثلة في المرشحة اليمينية المتطرفة مارين لوبان، رغم مطالبتي بإعطاء فرصة لهذا التيار المتنامي الذي يجد شعبية كبيرة في المجتمع الفرنسي، رغم ما يحمله من أفكار، ومدى انتشار الكراهية والعنصرية، وقضايا الهجرة واللجوء لذلك كانت التوقعات بفوز مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان في الجولة الأولى لانتخابات فرنسا، وكذلك مرشح الوسط الليبرالي إيمانويل ماكرون.
ماكرون الذي لعب بسياسة النفس الأخير فبين الجولتين الأولى والثانية الحاسمة استطاع أن يلفت أنظار العالم والفرنسيين، خصوصاً في مسألة زواجه من معلمته التي تكبره بسنين عدداً، فجعل وسائل الإعلام تفرد مساحة واسعة لهذه القضية.
كذلك استطاع من خلال المناظرة التلفزيونية أن يرجح كفته في الانتخابات، خصوصاً مع اعتماد لوبان على أسلوب المقاطعة والاتهامات وشخصنة المواضيع والبعد عن جوهر القضايا الأساسية (الهجرة والاقتصاد) كحال جميع الشعبويين، فاستطاع أن يدير الحوار، وأن يظهر برنامجه الانتخابي، ولا يبتعد عن قضايا الأمة الفرنسية، فكلما بعد المرشح الانتخابي عن جوهر القضايا الأساسية تجد أن شعبيته تقل، ولَـ”دونالد ترامب” خير مثال، فكان يصر في جميع تجمعاته على جوهر قضاياه من هجرة ولجوء واقتصاد وسياسة خارجية طبعاً مع بعض المناوشات لعدوته هيلاري كلينتون، فلا يوجد برنامج انتخابي دون مناظرات ومهاوشات؛ لذلك نقول إن القرب من قضايا الفرنسيين ببرنامج واضح جعل ماكرون متصدراً بامتياز.
إن البرنامج الماكروني -إذا صحَّ التعبير- يمكن أن نقول إنه مكمل لسياسة سلفه فرانسوا هولاند، رغم انشقاقه منه، فإن برنامجه الاقتصادي الذي يعتمد على الليبرالية الاقتصادية والرأسمالية الجديدة يعتبر هو السبب الأساسي في انتخابه، فهو يميل إلى الجمع بين الاشتراكية في التعامل مع العمال والنقابات والرأسمالية في التعامل مع الشركات ورجال الأعمال، فهو يبدو أنه يعد لطبخة سرية تهدف إلى الجمع بين الاشتراكية والرأسمالية، وهذا ما يسمى بالجمع بين المتضادين رغم صعوبتها فإنه خبير اقتصادي ومفاوض متمكن، ولولا ذلك لما دخل معقل الاليزيه.
ماكرون الذي أيضاً استطاع الجمع بين الليبرالية والعلمانية من جهة، والشعبوية من جهة أخرى، فكان يوجد بالقرب من المواطن ليس كالسياسي الليبرالي الذي يفضل البعد عن الشعب تفضيل الخطابات المنمقة، فكان شعبوياً بامتياز في هذه النقطة، كذلك كان ليبرالياً في مسألة الهجرة واللجوء والاتحاد الأوروبي ولم يكن متطرفاً في هذه القضايا، إذاً هو مرشح وسطي مثله مثل رئيس الوزراء الكندي ترودو، الذي يتقاسم معه العمر والنهج، مثل هذه الأمثلة افتقدتها الولايات المتحدة الأميركية الذي أصبح شبابها يتمنون التجربة الفرنسية الكندية.
إن ظاهرة ماكرون بين قوسين أصبحت إلهاماً للشباب العربي، فبعد فوزه في الانتخابات أصبحت المقارنات بين (بعض) الشباب العربي الذي يقضي معظم يومه بين أروقة القهاوي وأزقة الكباريهات وبين هؤلاء الذين أصبحوا قادة أقوى الدول في العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً كل هذا وهو لا يتعدى الـ40 من عمره.. هكذا يجب أن يكون قادة الأمة من شبابها، وأن يضعوا هم بأنفسهم برامج اقتصادية وسياسية حقيقية لا برامج فسفورية شخصية، رغم وجود بوادر لصعود الشباب لهذه المناصب، كمثال السعودية متمثلة بولي ولي العهد محمد بن سلمان، وتونس برئيس وزرائها، وقطر بأميرها، إلا أن الغالب الأعم يغلب عليهم العجز والكبر.
ختاماً أقول إن الشباب العربي يمثل أغلبية مجتمعه إلا أنه لم يقُل كلمته بعد، أعتقد أن الشباب بحاجة إلى مثل هذه الأمثلة، ليس بالضرورة نفس النهج والبرامج، فلا تنفع مثلاً الليبرالية في كل دولنا، ولا تنفع الشعبوية في بعضها، إذاً فهي معادلة بسيطة بحاجة إلى صياغة جديدة، كما فعل ماكرون، لذلك فحقاً الإليزيه يليق بكَ.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.