دون كيشوته ونقد ما بعد الهزيمة

“النقد الذاتي بعد الهزيمة” كتاب وقع في يدي لقراءته صدفةً، ولكنها كانت صدفة أكثر من رائعة، إن كلمة “الهزيمة” تعني لي أنا شخصياً الكثير، فهل نحن في عالمنا العربي سوى مجموعة من الهزائم المتلاحقة، بعضها وراء بعض كمتواليات هندسية تجر أذيالها في خيلاء وكبر غريبين.

الكاتب والمفكر صادق جلال العظم كان محقاً حين وصف عقليتنا العربية بأنها عقلية لديها القابلية للهزيمة، حيث بدأ بالحديث عن “المسؤولية”، من يستطيع أن يواجهها دون أن يمررها لغيره؟ متسائلاً: متى نلقي الشماعة خارج حدودنا التي نتصارع عليها دوماً؟ مؤكداً أن عقلية الهزيمة ليست فقط تلك التي تُهزم، ولكنها تلك التي تُهزم من داخلها قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.

وذكر تلك الدونكيشوتية، نسبةً إلى الأسطورة “دون كيشوت”- ذلك الشخص الذي ضاع عمره في محاربة طواحين الهواء مسكوناً بنظرية المؤامرة الكونية التي تحاك ضده، مستهلكاً وقته وجهده في محاربة اللامعقول واللامرئي حتى يضيع عمره في الخرافات.

وأضاف نقطة في غاية الأهمية؛ أنه يجب على العرب أن يعرفوا أن “ليس كل نقد جرحاً”؛ بل إن النقد هو ما يؤدي إلى تقديم “تطهير” بلغة الروح للوصول إلى منطقة جديدة وللتغلب على الحالة الراكدة التي أدت إلى قصور أو تبعية ومن ثم إلى هزيمة محققة.

ولكن، من خلال قراءتي للكتاب، باعتقادي أن العرب هزموا أنفسهم بمعارك كثيرة وتفاصيل كانت أحق لهم بها أن يصمّوا آذانهم بكل القطن الموجود بالعالم عنها وأن يكون جلّ اهتمامهم أن ينتقلوا من مربع التشتت والنزاعات والعصبيات والنظرة الأحادية للحياة إلى مربع النهضة القائمة على الوعي والمعرفة والعمل.

وأخيراً، من المهم جداً أن نعرف أن فرصة العمل التاريخي المؤثر في عالمنا العربي ليست سهلة، وتلك القواعد ليس من السهل تطبيقها بين يوم وليلة، وأيضاً هدم كل القديم المرهق والذي أتعبنا وأضاع الفرص التاريخية الواحدة تلو الأخرى، ولكن بإمكاننا أن نبدأ في تأصيلها، ليس لنجني نحن ثمارها، ولكن على الأقل أن يضمن الجيل الجديد من بعدنا ملامح طريق يمشون فيه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top