منذ عامين و8 أيام تحديداً، كتبت تدوينة على صفحتي الشخصية بموقع فيسبوك قائلاً: “نصيحة قبل فوات الأوان، حذار من تسليح القبائل السيناوية بطريقة غير مدروسة، ممثلة في قبيلة الترابين وقبائل أخرى، سيناء مليئة بالمتناقضات وليس الماضى ببعيد”.
وكانت تلك النصيحة على بُعد أيام قليلة من تخلي الفريق عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، عن رتبته العسكرية تمهيداً لخوضه انتخابات الرئاسة التي فاز بها، وذلك بعد توارد أنباء غير مؤكدة حينها عن عزم القوات المسلحة المصرية تسليح بعض القبائل السيناوية، وقبيلة الترابين تحديداً؛ لمساعدة القوات المسلحة في القضاء على الإرهاب المتنامى في سيناء وقتها.
ومع تباعد الأيام، اختفى صوت الهمس بتسليح القبائل، ولكن مع مرور العامين ومع ظهور فيديو على قناة “مكملين” المعارضة يُظهر أفراداً يرتدون زي الجيش المصري يقومون بعملية إعدام ميداني خارج القانون لعناصر إرهابية في سيناء، والذي نفى ما جاء فيه المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، ولكن هذا الفيديو أثار عوارض جانبية أعتقد أنه سيكون لها آثار خطيرة في المستقبل، وذلك لما ورد في الفيديو من حديث باللهجة البدوية لأحد الأفراد الذين يرتدون زي القوات المسلحة؛ الأمر الذي أدى إلى تخمينات وادعاءات لم تؤكدها أو تنفها القوات المسلحة وردت في مواقع إخبارية عدة عن وجود فرقتين مسلحتين من البدو لهما مهام محددة.
وتتوالى الأحداث بطريقة دراماتيكية، وفجأة يظهر في الإعلام الخارجي أن قبيلة الترابين قد قامت بهجوم على تنظيم ولاية سيناء “داعش” وأسرتْ بعض عناصر التنظيم وأنها تقوم بعمليات استجواب لهم، وهنا أصبح الحديث عن مداراة أمر قد خرج عن السيطرة درباً من المستحيل؛ الأمر الذي حدا بمواقع وجرائد مصرية للتحدث عن الأمر في سياق صراع قبيلة تحافظ على وجودها ضد عناصر إرهابية، وأصبح ظهور اسم قبيلة الترابين وشيوخها على صفحات الجرائد شيئاً عادياً وكأن هناك من يريد ألا يخرج الموضوع عن سياق بعينه! حتى جاء مقال الصحفي الشهير “روبرت فيسك” في صحيفة “الإندبندنت” الذي اتهم فيه السلطات المصرية صراحة بتكوين تحالفات مع القبائل لمساعدتها في حربها على الإرهاب في الوقت الذي لم ينكر فيه قيام دول عدة بذلك الإجراء، ولكنه تبرير لم يكن بريئاً؛ فقد قال إن ذلك “علامة على مدى البؤس الذي أصبح فيه الوضع العسكري في القتال ضد التنظيم (داعش) لدرجة تجعل الجيش المصري يلجأ إلى مثل هذه التدابير”!
هنا وعند هذا المستوى من تصاعد الأحداث، لا نجد من يوضح لنا ما يجري، ووسط حملة مسعورة على مصر تتحدث عن قتل خارج القانون وتكوين ميليشيات مسلحة من عناصر قبلية تنفذ خروقات كبرى؛ لذلك وجب التنويه على صانع القرار بأن الصمت على ذلك الكلام المثار خارجياً سيجعل منه على المدى البعيد قضية يمكن الارتكان إليها ضد مصر.. وأن المصارحة في هذا الموضوع لهي شيء مطلوب وأن الاستعانة بعناصر قبلية أو جهوية في التصدي للعناصر المسلحة من قِبل الدولة ليست بدعاً في عرف الدول.
فالعراق قد تحولت فيه الطريقة النقشبندية الصوفية إلى جيش مسلح يحمل اسمها تحت عَلم الدولة العراقية لمكافحة تنظيم داعش الإرهابي، وكذلك تحولت الحركة الصومالية الصوفية إلى حمل السلاح لمناهضة إرهاب حركة الشباب الصومالية، ودعوات صوفية في ليبيا لحمل السلاح لمكافحة الإرهاب.. حتى في مصر ظهرت دعوات صوفية لحمل السلاح على يد أحد مشايخ الصوفية لحماية الصوفيين من تغول السلفيين وتطرفهم ولكنها دعوة قوبلت بالرفض من قيادات الصوفية وممثلها الأعلى الشيخ “القصبى”.
سيادة الرئيس، نحن نقف في خندق واحد لمكافحة الإرهاب ونقف صفاً واحداً وراء قواتنا المسلحة في حربها على الإرهاب، ولكننا في المقابل لا نريد أن نجد أنفسنا مرة واحدة أمام آلة إعلامية ضخمة تتهمنا باتهامات كبرى قد تطول في سياقات بعينها وحدة الدولة نفسها.. نريد من يخرج علينا يشرح ويفسر حتى لا نفاجأ بنموذج “الحشد الشعبي” في العراق الذي تكوّن تحت عَلم الدولة العراقية لمكافحة الإرهاب، ولكنه ارتكب تجاوزات خطيرة كادت تعصف بوحدة العراق؛ ما أدى إلى تدخل دول عدة من أجل كبح جماح هذا الحشد، وصولاً لمحاولة الدولة العراقية سنّ قانون لدمج ذلك الحشد ضمن المنظومة الأمنية بعدما اكتسب خبرات قتالية، وأنه قد آن الأوان للسيطرة عليه قبل فوات الأوان.
إن تسليح الأفراد والجماعات من خارج القوات المسلحة يجب أن يتم في إطار محدد؛ حتى لا تنفلت الأمور وتخرج عن السيطرة، وأنه يجب الأخذ في الاعتبار أن هؤلاء الأفراد وتلك الجماعات سيكون لديهم عند انتهاء فترة الإرهاب خبرات عسكرية وقتالية لا بأس بها وأنهم سيشعرون بنشوة الانتصار الذي سيولّد مطالبات لما بعد النصر وإن لم تلبَّ لهم فإن التنبؤ بما بعد ذلك لا يمكن حسبانه أو توقع تبعاته.
نحن لا نريد أن نفاجأ عند انتهاء موجة الإرهاب بذيل جديد ممتد من مرحلة الإرهاب يحمل مطالبات ليست أيديولوجية، ولكنها مطالبات قد تطول مسألة الولاء للدولة إذا لم تلبَّ المطالب. اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.