بدايةً، لن نخوض في استدعاء نظريات مؤامرة، لها ما يبررها، حول من فعل ماذا، وفتِّش عن المستفيد وصاحب المصلحة في تفجير هنا أو حادث هناك، فالجدل في هذا يطول.. كما لن نغفل عن إدانة هذه الجرائم وبغضها والغضب لحدوثها وتجريم فاعلها أياً كان، والأسى على ضحاياها والحزن لمصاب ذويهم.
ونؤكد أن ديننا يجرّم ويحرّم القتل أو التعذيب أو الترويع لأي إنسان في أي بقعة من الأرض شرقاً أو غرباً، ليس في دور العبادة وحسب؛ بل حتى في الملاهي الليلية، فكل الدم حرام إلا بحقه دون جدال أو مقال أو تبرير أو…
ولكن بعد ذكر ذلك.
مع كل حدثٍ أو حادثٍ يحاول بعض مناهضي التوجه الإسلامي، الكارهين لدين الله بالمجمل، أو الممتعضين من بعض أحكامه أن ينقضوا ركناً أو يقوضوا حجراً فيه سعياً لهدمه جميعاً، أو ما استطاعوا إليه سبيلاً من ثوابته، سواء المعلوم منها بالضرورة، أو بعض الأحكام الشرعية التي لا تروق لهم؛ بغية جعل الدين فضفاضاً لتفصيله على مقاس أهوائهم وولاءاتهم وأيديولوجياتهم.
لا نتحدث هنا عن ترامب أو لوبان أو اليمين المتطرف الصاعد في أوروبا وفيما سواها، فتلك حلقة أخرى من حلقات منفصلة متصلة في مسلسل الهجوم على الإسلام.. أما أبطال هذه الحلقة، فهم أناس من بني جلدتنا، يعيشون بين ظهرانينا ويتكلمون لغتنا، وفي الغالب يدينون بديننا.
ومع أن أحداً لا يلزمهم أو يرغمهم أو يطالبهم بالامتثال للأوامر والامتناع عن النواهي، فإن بعض مظاهر الإسلام تؤرقهم وتزعجهم ببساطة فيريدون لجميع المجتمع أن يسير سيرتهم وينحو نحوهم!
ليس هؤلاء بدعة محدثة في عصرنا؛ فقد حفل تاريخنا القريب والبعيد بهم، إلا أنهم اليوم أبرز أنياباً وأعلى زعيقاً؛ نظراً للمناخ العالمي الخصب الذي يسمح لأمثالهم بالتمدد والتطاول.
ولأنهم لا يملكون الجرأة أو الشجاعة أو النزاهة للجهر بنواياهم الحقيقية، فهم يتخفون تحت مظلة الحداثة والتنوير والسعي لإصلاح المناهج وتجديد الخطاب الديني؛ للخروج بالمجتمع من عصور “الظلامية” الإسلامية إلى آفاق “نورهم” الإسلامي أيضاً بزعمهم!
فتراهم يتحينون الفرص للطعن في الثوابت بعلمٍ أو بغير علم، ويدلِّسون ويثيرون الشبهات والمشتبهات والمتشابهات؛ ليُلبسوا على العامة أمر دينهم. كما يتتبعون السقطات الكثيرة والخطيرة، مع الأسف، لبعض المشتغلين بالعلم الشرعي، فيتخذونها مسوغاً وذريعةً للتشكيك في المنهج وكياناته ورجالاته
.
وبعد انتشار ظاهرتي الإرهاب والإسلاموفوبيا، لم يتوانوا عن استغلال الحوادث والتفجيرات الإرهابية المنسوبة إلى من يسمون “إسلاميين”؛ ليبيعوا بضاعتهم الفاسدة من معلّبات تهم التطرف والإرهاب الإسلامي التي تلقى رواجاً في السوق العالمي الشره لها، والذي يلتقمها ويعيد اجترارها كلما تفتقت شهيته للمزيد منها.
لقد أصبحت جرائم داعش بمثابة “حصان طروادة” الذي ينفذ من خلاله كل من لديه أجندة داخلية أو خارجية للهجوم على الإسلام، وما تفجيرات الكنائس الأخيرة في مصر منا ببعيد. ففور حدوثها، سارع الكثير من الخبثاء إلى التحريض ودق طبول الحرب على كل ما يمثل الإسلام وكل ما هو إسلامي، ولا أدل على ذلك من الهجوم الشرس على الأزهر والدعوات لإغلاقه أو إعادة هيكلته؛ ما أدى إلى فزع الكثيرين وغضبهم ودعوتهم لمناصرة الأزهر في معركته “القديمة الجديدة”.
ومع محبتنا للأزهر الشريف وإدراك دوره التاريخي وحظوته لدى المسلمين، فقد فات هؤلاء “الطرواديين” السذج أن ديننا لا يُختزل في الصروح والجوامع والجامعات، ولا في الكتب وأعيان الناس؛ بل هو محفوظٌ في الصدور، باقٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فإذا كنت محباً للأزهر بحق، فعليك ألا تنشغل بقتال طواحين الهواء في معارك وهمية. أما الأزمات والهجمات الراهنة، على شدتها، فما هي إلا مزيد من التمحيص والتطهير؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، فينكص ويخرج من أراد الله له الخروج، ويثبت من ثبته الله وسدده.
لقد أدرك عبد المطلب بن هاشم بفطرته وحكمته، لا بتدينه، ما لا يدركه كثير من المسلمين اليوم حين قال: “للبيت رب يحميه”، وكما حمى الرب ذاك البيت فسيحمي كل بيوته.
سيحفظ الأزهر بالثبات واليقين أن في صدر كل مسلمٍ حقاً ألف أزهر، وهو ما لا ولن يستطيع طغاة الثقلين هدمه أو تقويضه ولو اجتمعوا له.
أما أنتم أيها “الطرواديون”، فلكم في التاريخ عظة وعبرة، فكم مر على الأمة أمثالكم ممن سعوا في هدم الدين من الداخل والخارج، فهُزموا جميعاً وخاب سعيهم!
لقد صبغ المغول دجلة بالأزرق وقتلوا العلماء، فذهب المغول، وبقي دجلة، وبقي الإسلام. وجاء الصليبيون من بلادهم تحت الصليب، ثم عادوا إليها تحت حماية جيش المسلمين، فضلاً عن الحركات والفرق الضالة التي حاولت أن تفتَّ في عضد الدين وتنخر بنيانه ففشلت واندثرت.
“بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً”، أخبر بهذا نبينا عليه الصلاة والسلام، لم يقل: سيبقى له في غربته الثانية جامع أو جامعة؛ بل سيبقى “الغرباء”، فأَفْنُوا المليار ونصف المليار من المسلمين، إن استطعتم، لتفنوا “الغرباء” فيهم. وإذ أنتم تفعلون، اذكروا فرعون الذي قتل وذبح، ومع ذلك بقي بنو أسرائيل وهلك فرعون كما سيهلك كل فرعون..
ديننا الإسلام، نحبه ونرتضيه، نعتنقه ولا نُكرِه أحداً على اتباعه، يأمرنا بالمعروف والإحسان إلى الناس جميعاً وينهانا عن الإساءة إليهم، لا نقبل أن يُوضع في قفص الاتهام فندافع عنه، ولن نجمِّلَه ونضع له المساحيق ليعجب أحداً، فهو جميلٌ حسنٌ بذاته.
نشرحه، نفسره، نفنّد الاتهامات ونزيل الشبهات.. نعم، حباً وكرامة. أما أن نغيِّر أو نبدِّل أو نحرِّف فلا.. ولو أغلقتم الأزهر، ولو حاصرتم الأقصى، ولو هدَّدتم الكعبة (لا سمح الله)،
نحن قومٌ بالإسلام أعزةٌ مهما تقوّلَ جاحدٌ وتكلَّما
هذا عنا؛ أما عن الأزهر الشريف.. فله، كما للبيت، ربٌّ يحميه.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.