نظرية اللحلوح الحائر

يعتقد البعض أن مساهمة مصر في النظريات الاقتصادية العالمية والحديثة ضعيفة لا تليق بدولة ذات تراث حضاري وإنساني بارز مثلها، إلا أن تتبع التاريخ الاقتصادي العالمي يشير إلى أن مصر كان لها دور حيوي في ظهور النظريات الاقتصادية الحديثة، معتمدة في ذلك على عنصر اللحلوح.

واللحلوح، هو الاسم الدارج للجنيه المصري، ويعني لحلحة الأمور، أي تحريكها لتقترب من طريق الحل، فاللحلوح ومضاعفاته يفتح لك أبواباً كنت تظنها لا تفتح.

وفِي مصر، وُضعت بذرة النظرية الكلاسيكية للاقتصاد معتمدةً على عنصر اللحلوح أو الجنيه علي يد امرأة مصرية هي بهانة أم رمش بائعة الهوى، حيث كان شعارها “الحقني باللحلوح لو عايزني معاك أروح”، وهو المعنى المقابل “لكل عرض يُخلق الطلب الخاص به”.

وللأسف، أغفلت جوديث تاكر الحديث عن دور بهانة الهام في كتابها “نساء مصر في القرن التاسع عشر”، إلا أن مفكراً غربياً آخر هو كارل ماركس وصديقه إنجلز اعتبراها النموذج الأعلى للاستغلال الرأسمالي، حيث إنها تمتلك رأس المال وأدوات الإنتاج وهي العامل في الوقت ذاته، ولقد هاجمها ماركس بشدة؛ لضمان الحيوية الجسدية والأخلاقية للشعب العامل.

ورغم هذا الهجوم على بهانة، فإن التاريخ أثبت أنها كانت أكثر شيوعية من ماركس نفسه؛ لأنها كانت تشعر بمعاناة الطبقات الفقيرة، فكانت لا تمنع نفسها أبداً عن أي سائل من أي طبقة وفِي أي مكان كان، خرابة أو بستاناً.

وبعد ذلك، طور الاقتصاديون النيوكلاسيكيون، وعلى رأسهم ألفريد مارشال، نظريات تتعلّق بالخيارات العقلانيّة؛ ليتمكّنوا من تصنيف الاقتصاد كعِلمٍ دقيق، مثله مثل العلوم الاستنباطية والطبيعية، كان هذا مع نهايات القرن التاسع عشر.

وبما أن العقلانية متعلّقة تاريخياً بالذكورة، فيبدو أنه من هنا نشأ الرابط بين علم الاقتصاد والذكورة، وفكرة الاحتياج إلى دكر في مصر، وخاصة ذوي الخلفيات العسكرية أمثال أمناء وصولات وضباط الشرطة والجيش، ثم لحقهم موظفو الدواوين الحكومية وكثير من الشعب العظيم صاحب حضارة الـ7 آلاف لحلوح.

وقد استلهم الجميع مقولات مارشال في الاقتصاد وقاموا بتطبيقها كأسلوب حياة مع إضافة اللمسة المصرية بالاعتماد على عنصر اللحلوح أيضاً، فظهرت شعارات مثل “شخلل باللحلوح علشان تعدي وما تبقاش مفضوح”، في تقسيم للمجتمع إلى منتجين ومستهلكين وفقاً لنظام العرض والطلب، فالمواطن هو المستهلك الذي يريد شيئاً ما، بينما أمين الشرطة أو الصول هو المنتج الذي يعرض عليه عرضاً ثم يتم الاتفاق على السعر.

ورغم مساهمات مصر السابقة في علم الاقتصاد الحديث، فإن الإنجاز الأبرز هو ما قام به الجنرال الحالي، حيث جمع بين الأصالة والمعاصرة، وترتكز خطته في إصلاح اقتصاد الوطن المهترئ على 6 عوامل أساسية قابلة دائماً للمزيد.

أولاً: لمّ الفكة من المواطن لسداد ديون مصر الخارجية، التي من المتوقع أن تبلغ 80 مليار دولار مع يونيو/حزيران المقبل؛ ما يعني أن على الديّانة أن ينتظروا 100 عام على الأقل لاسترداد نقودهم! وهي خطة ذكية من الجنرال؛ لأن الدائن سيكون قد مات أو نسي، وبهذا نتحرر من الديون الخارجية.

ثانياً: المطالبة بأن نصبّح على مصر بجنيه لإقامة مشاريع تنموية وطنية على غرار عربات الخضار المتنقلة أو اللمبات الموفرة.

ثالثاً: الجنيه نفسه، طلب الجنرال استقطاعه من الموظف المصري كل شهر عبر أحد برامج الفضائيات التي تداعب العقل على أنه جزء من الأعضاء التناسلية، وسيستخدم هذا الجنيه لإصلاح القرى المحرومة من الأساسيات.

رابعاً: صندوق تحيا مصر، وهو امتداد لتراث الجباية الأصيل على طريقة جباة العصر المملوكي وأمناء الشرطة بشعار جديد هو “ادفع واتصور لأحسن تتعور”.

أما العامل الخامس، فهو بيع نفسه -أي الجنرال- ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ورغم أنه لم يحدد الجزء الذي ينوي بيعه أو كيفية البيع فإن هناك تشابهاً بين هذا العامل وطريقة بهانة الاقتصادية.

والعامل السادس هو الأرز القادم من بلاد النفط والذي في مقابله يمكن التنازل عن مصر قطعة قطعة، والأرز هنا هو المرادف الحديث للحلوح إلا أنه جاء في صيغة الجمع ليؤكد على مجتمع الوفرة المنتظر.

وفِي التصور السابق، نجد أن الجنرال قد أعاد المسؤولية الاقتصادية للمواطن، في توجه مبدع لم يسبقه إليه أحد، كما أنه ألغى العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة ونفى تماماً مسؤولية الدولة عن مشاكل الوطن وأمست بالكامل مسؤولية المواطن، الذي عليه أن يجد حلاً لمشاكله بنفسه فلا شيء مجانياً عند الجنرال.

ورغم تلك الرؤية المتجددة والفريدة، فإنها لم تغفل التراث المصري الاقتصادي الأصيل القائم على ثقافة اللحلوح، فكل العوامل السابقة تؤكد على الجنيه أو اللحلوح كعنصر أساسي في نظرية الجنرال الاقتصادية.

الجدير بالذكر أن الخبراء قد قدموا تفسيرات عدة لهذا الإصرار على الجنيه، فيميل أحد التفسيرات إلى أنه نزوع أصيل للتراث في نفس الجنرال، حيث تأثر بنشأته في حي الجمالية ومخالطته أسراب الشحاذين أمام مسجد الحسين؛ ما أثر في بِنْيته الداخلية.

بينما يصر تحليل آخر على أنه عقدة مترسخة منذ الصغر في نفس الجنرال، حيث كان يرغب في امتلاك لحلوح، لكن حرمه أبوه من هذه الرغبة في الطفولة لسبب أو لآخر، فظلت كامنة تطفو على السطح كلما سنحت الفرصة، أما التفسير الثالث -وهو تفسير جندري- فهو أن أحدهم قد أعطاه الجنيه وطلب منه العيب والحرام ولم ينسَ الجنرال ما فعل به حتى الآن.

وهناك تفسير سيكولوجي آخر؛ هو أن أولئك الذين صرح يوماً بأنهم كانوا يضربونه قد استولوا على الجنيه الذي كان يملكه في أثناء ضربهم له ولم يستطع الانتقام منهم فقرر الانتقام من المجتمع كله!

ورغم اختلاف الخبراء في تفسير نظرية الجنيه، فإنهم أجمعوا على أن اقتصاد مصر سيشهد تحسناً ملحوظاً مع مطلع الألفية الثالثة في الدورة الخامسة والعشرين لحكم الجنرال، أمدّنا الله وإياكم بطول العمر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top