الحوار مع إيران

يجد النفوذ الإيراني في المنطقة حاله في مسرح مكشوف بعد أن بات الإعلان عن وجوده وخطره متداولاً على نطاق واسع، وحتى هذا الوقت الذي يسعى فيه الإيرانيون لتبرير تدخلهم أحياناً تحت دعوى مواجهة الإرهاب الذي يجيدون ممارسته في العراق وسوريا، وبإنكار صلتهم بالأعمال الهمجية في اليمن والخليج في أحيان أخرى، فإن مخاوف دول الجوار من التدخلات الإيرانية تتصاعد، خصوصاً من السعودية التي تعتبر إيران منافساً أيديولوجياً في المنطقة، الأمير محمد بن سلمان عبَّر عن هذا التنافس بأنه صراع وجودي لا يمكن معه فتح أي قناة للتواصل مع نظام يقوم على التمدد على حساب خصومه المذهبيين.

استمرار القطيعة الدبلوماسية بين السعودية وإيران وارتفاع وتيرة التصريحات الرسمية من الجانبين التي تضع الطرف الآخر في خانة الإرهاب وافتعال الصراع في المنطقة يأتي على خلفية التغير الطارئ في الموقف الأميركي من الدور الإيراني في المنطقة الذي بلغت صراحته في الاتفاق النووي المتزامن مع توسع كبير في حركة الأذرع الإيرانية المقلقة في اليمن وسوريا والعراق؛ لذا من الصعب جداً التكهن بانخفاض حدة المواجهة السياسية ذات الطابع الدبلوماسي بين البلدين في الوقت الحالي، كما أن تفاقم نبرة الخلاف سيصعب ربما الحل في ملفات المنطقة الشائكة، خاصة مع توقع أن كلاً من السعودية وإيران ستدفعان بثقلهما في ملفات مهمة كاليمن والعراق، والملف السوري أيضاً، ويبقى الحوار الذي تستبعده المملكة خياراً مطروحاً أمام غاية استقرار المنطقة وإحلال الأمن كما ترغب في ذلك السعودية.

من المؤكد أن الحوار الآن مع إيران لن يدفع نظام الخميني للتراجع عن مطامعه التوسعية طالما كان هناك جزء من المجتمع الدولي يشارك إيران بعضاً من أهدافها في المنطقة، فالوجود الروسي إلى جانب إيران في سوريا يدعم حجية القوات الإيرانية في الوقوف إلى جانب بشار ضد الجماعات الإرهابية، كما تصرح روسيا بذلك أيضاً، كذلك فإن الحضور السياسي والعسكري للأطراف المتناغمة مع سياسات إيران في العراق ولبنان تحديداً يجعل إيران قادرة على التحرك بشكل أكبر في المنطقة، هذه الأسباب لن تدفع إيران ناحية الحوار طالما لم تفقد التعاون الدولي، واستمر مناصروها في حيازة القوة تحت مظلة الدولة.

إن رعاية المملكة لمصالحها تتقاطع مع حقيقة استقرار المنطقة ومحاصرة التشكيلات المسلحة الخالقة للفوضى، بالتالي فإن دولة بحجم المملكة تسخّر سياستها من أجل تحقيق السلم في الجوار بحاجة إلى الحوار الدائم وفتح دوائرها الدبلوماسية للجميع، لكن إلى أي مدى سيقود رفض الحوار والقطيعة مع إيران إلى وقف مطامعها في المنطقة؟

من الطبيعي أن تبحث المملكة عن سبل لحل ملفات المنطقة انطلاقاً من سياستها الراسخة التي تقدم فيها خيار السلام على العنف، والحوار على الاستعداء، ولطالما اتخذت المملكة مساراً معتدلاً لا يضع أي دولة في أي منطقة هدفاً تسعى لفرض سياستها بالقوة أو السيطرة عليها، غير أن الجنوح لسبيل الحوار أمام من يتعمد انتهاك سيادة الدول لن يفضي إلى نتيجة بل قد يؤدي لكارثة؛ لذا تتطلب المرحلة الحالية الاستعداد لطاولة الحوار في المستقبل، تلك الطاولة التي يجب أن تبحث عنها إيران بعد أن يتم إغلاق أي منافذ قد يمر منها المشروع الإيراني في المنطقة، وأقصد هنا الصف الخليجي والعربي، وفي المقابل العمل على تكتيكات مشروعة تستهدف التكتلات الشيعية في المنطقة لخلخلة أي أواصر قد تزيد من التعاون الإيراني مع هذه الأطراف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top