صديقي الشيوعي

سأعترف لكم بالحقيقة المخفيّة الكاملة لصديقي الشيوعي هذه المرّة، بعد حيرة وصراع مرير مع القلم.

فترة طويلة مضت على لقاء الصدفة أخيراً، حديث ليس بالطويل، كان على عَجَل أو كما في العاميّة “ع الواقف”، بعد الترحيب والاطمئنان منذ غياب بعيد، والاستفسار عن أبرز الأحداث في حياتنا، همّ برفع الستارة أسرع من البرق، وكأنه ينتظرني منذ أزمان، كلقاء الأب بابنه المفقود، هجا لي فيها من الحال وشكا.

في مجتمعات التعليب الشرقيّة؛ عشق الظواهر، ولا اهتمام بالجواهر، أحكامهم، كما يمرّ السهم من الرميّة، تُطلق جزافاً، كما لو في حرب غوغائية.

أذكر صديقي ذات مرّة بأنه لبس قميصاً رُسم عليه صورة المناضل جيفارا، ذنبه عشق جيفارا الكادح وعلّق صورته في غرفته، كما قرأ لماركس ولينين -بنيّة المطالعة- فهو قارئ جيّد ومطالع فضوليّ، نعى البطل كاسترو على صفحته الفيسبوكية إبان وفاته، يتحدث عن الكادحين والعمال وفقرهم المدقع، يكره البرجوازيين وترفهم، يتدبّر الاشتراكية التي حدّث عنها أعلام الشيوعيّة، وناقم جداً على الإمبريالية وما آلت به من تفتيت للبشريّة، ويستمع للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم والمقطوعات الرحبانيّة، هكذا يراه المجتمع، بعين الدجال الأعور! ذنبه ذنب صُحَر.

هذا المجتمع يعرف كلّ شيء عن أيّ شيء، ما توسوس به الأنفس وما تُخفي الصدور، مجتمع لا ينسى بتاتاً، يتذكر كل شيء إلا الوطن والقضيّة.

لا يبصرون فيه اعتياد المسجد للصلاة، قال لي مرّة بأنّ أحدهم أخرجه من الملّة لفعل ما سبق ذكره، يتجاهلون كرهه للدول الفاشيّة وأفعالهم النازيّة، ما سببوه بقتل وتشريد للشعوب وانتهاك الإنسانية، ودّوا ما ترك الله له في الأرض مقعداً ولا في السماء مصعداً.

ثقافة النمط السائدة أدخلت الكثير في عزلة عن مجتمع تقليدي رثّ، يقدّس الإشاعة ويدحرجها ككرة الثلج، لا يأبه بسقوطها.

هل أصبحت من السلامة عزلة البشر؟!

حالة صديقي الخارجيّة -كما يراها الكثير بأنها زيّ أفكاره وثياب كلامه وأفعاله-، هي انعكاس للكدح الذي يعيشه والفقر الذي مزّق ثيابه، غير آبهين بأنها كذلك، إنه يقرأ ليخيط بها ما تمزق من لباسه!

قالت العرب: القُبح حارس المرأة، وأقول هو مُختلس الرجل أيضاً.

لا يكره عسر الحالة لفسح الصلة مع الله، أمه التي انجرفت بضعاً بدوّامة المجتمع، تعجز عن لفظ الكلمة لتناديه مداعبة: “يا شيعي”، تدخله في نوبة ضحك تكفيه لإزاحة همّ الحال وغمّ البال ساعات متواصلة من اتهامات جائرة تخدش السريرة.

الأم عالم آخر وإن ضاقت بك عوالم العالمين!

أن تعرف الله في عقلك، لا في شكلك وقيافة ثيابك، التواصل مع الله ليس بالمظهر وإنما في القلب، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد جلّ جلاله.

صديقي: لا ترى في رضى المحيط ضمانة لدخول الجنّة، فكرة الثلج مهما ضخمت لا يفتتها إلا نور الحقّ.

هذا الشيوعي يرغب بالانتحار، لكن دينه يمنعه!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top