من الأسباب الرئيسية التي جعلت الثورة المصرية لم تنَل حظَّها من النجاح هو غياب ثقافة الاطلاع عند جمهور الثورة، الذي يشكل الشباب القطاع الأكبر منه؛ لأنه لو اطلع هؤلاء على تجارب الثورات السابقة، سواء الناجحة منها أو التي لم تنجح، لعلموا أنَّ لأي ثورة مقومات حتى تستطيع أن تنجز أهدافها وتحقق مرادها، ولكن غابت ثقافة الاطلاع فغابت المعلومة، فأصبحنا كالعميان يتلمَّسون طريقهم، يقعون مرة ويتعثرون أخرى حتى يهلكوا، أو يأتيهم أحدهم بدعوى أنه سيهديهم الطريق ثم يسلك بهم طريقاً إلى الهاوية، وهذا ما حدث.
أما لو قرأنا واطلعنا على التجارب السابقة في الشرق والغرب، لعلمنا أن الثورة يجب أن تمتلك عدة مقومات:
أولها أن تتميز بمطالبها الراديكالية، فلا توجد مساحة للرجوع أو حتى التنازل عن مطلب ولو واحد من مطالبها، كما أنها ترفض كل خطابات الإصلاح والتوبة للنظام الذي قامت عليه، أو التصديق بأنه من الممكن إصلاح الفاسد من النظام من الداخل، أو الانخداع بمحاولة إشراك بعض الثوار في المنظومة السياسية، أو محاولة تقديم التعهدات بتنفيذ بعض من مطالب الثورة، فهذه كلها حِيَل يقوم بها النظام لإنقاذ نفسه من طوفان الثورة.
أما عن المقوم الثاني من مقومات نجاح الثورة فهو تفكيك كل أذرع النظام، فيكون التفكيك من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، حتى لا تتولد الثورات المضادة التي تنخر في جسد الثورة الوليدة، حتى وإن أدى ذلك إلى إنتاج حالة من الشلل المؤقت في بعض أجهزة النظام ومؤسساته.
أما إذا جئنا إلى المقوم الثالث والأهم لإنجاح أي ثورة، فحينها نستطيع أن نطلق عليها ثورة منظمة، ألا وهو الإعداد، والإعداد ينقسم إلى عدة مراحل، يبدأ بمرحلة ما قبل الثورة، ويكون أهم ما فيها إنتاج وعي ثوري لدى الجمهور، وتكوين نخبة ثورية تقود العمل الثوري، ومن ثَمَّ دعوة الجماهير إلى النزول إلى الشارع.
أما عن مرحلة الثورة، فأنت بحاجة إلى رموز ثورية يلتف حولها الثوار حتى تحافظ على وتيرة الحراك الثوري في الشوارع، وأن تمتلك تلك الرموز الوعي الكامل حتى لا يتم استدراجها إلى طاولة المفاوضات التي من شأنها إطالة عمر هذا النظام، وإخماد الشعلة الثورية لدى الجماهير، والنقطة الأهم هي تقديم رمز ثوري تتوحد عليه الجماهير؛ ليصبح قائداً لها، فثورة من دون قائد كالجسد مقطوع الرأس.
أما عن مرحلة ما بعد الثورة من فترة انتقالية ومن ثمَّ الدولة، فالإعداد لها نستطيع أن نختزله في أمر واحد فقط ألا وهو صناعة كوادر مؤهلة، وتمتلك الكفاءة في كافة المجالات، سواء كانت إدارية أو سياسية أو عسكرية أو فنية متخصصة، حتى تستطيع أن تملأ بها الفراغ الذي سوف تُحدثه الثورة بعد اقتلاع النظام الذى قامت عليه والقضاء على ما له من امتدادات.
هكذا تكون الثورات، أما غير ذلك فلا نستطيع أن نطلق عليها ثورة، حتى وإن قالوا هم عنها ثورة، فسوف تبقى ثورة مع إيقاف التنفيذ.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.