يحزنني أن أدلي بشهادتي على ما حل بالعرب طوال سبعين عاماً في رؤية موضوعية شاملة تعلو على أي حساسيات أو حسابات.
فالحقيقة التي لا جدال فيها هي أن العرب تحت الهيمنة الغربية كانوا يعانون الذل من المستعمر، لكن هذا المستعمر كان يفهم مهمته، فبقي العرب على قيد الحياة البيولوجية وإن تجمدت حياتهم السياسية.
أما تحت الهيمنة الإسرائيلية فالوضع قد اختلف، وهو أن المشروع الصهيوني زرع إسرائيل في المنطقة، ويصر على أن أمن إسرائيل وأمانها لن يتحققا إلا بفناء العرب وضياع أوطانهم، وكان عام 1948 هو البداية الرسمية لما يسمى بالصراع العربي الصهيوني، وهو في الحقيقة البداية الرسمية لإفناء العرب، ولم يكن جمال عبد الناصر سوى عقبة أزالوها ضمن مخططهم في الإسراع في تنفيذ المشروع، فكانت كامب ديفيد هي الفتح العظيم للمشروع؛ لأن هذه المعاهدة فتحت الباب لمرحلة ثالثة هي الأخطر في مسيرة المشروع الصهيوني، وهي أن يقوم العرب أنفسهم بإفناء أنفسهم والانتحار وهم سعداء حمقى.
أما أدوات المشروع الصهيوني فهي الحكام، ثم التسلل إلى المجتمعات، بعد أن هيأها الحكام للمرحلة الأخيرة.
وقد اعتمد المشروع بقوة على الحكم العسكري في مصر وليبيا والسودان أساسا، ثم اليمن، وعلى الاستبداد العربي الأسري والقبلي والشللي والحزبي والأيديولوجي، بحيث جعل السلطة الطريق إلى الثروة، فنشأ تحالف غير مكتوب بين الحكام العرب وبين المشروع، وهو تحالف المصالح، مصلحة المشروع في إفناء العرق العربي ووراثة أرضه ومصلحة الحاكم وأتباعه في الاستبداد والفساد ونهب الثروات، ومن خلف هذه العملية المرتبة شعارات الديمقراطية والوطنية وحقوق الإنسان والدساتير والقضاء، وكلما تقدم المشروع ارتفعت الدعاية لهذه الشعارات.
من الناحية النظرية، انتقل المشروع من ضرب الدولة القائد وهي مصر ثم إشراك الحكام في ضربها والتكالب عليها وتغذية عناصر الفناء لها؛ لأن فناءها يفتح الباب لإفناء الفروع والنجوع، ثم استدار المشروع إلى العصب الثاني وهو العراق ثم سوريا فاليمن، واستعان بأتباعه الذين خلق لهم مصلحة في إفناء جيرانهم، فالسعودية تهددها مصر واليمن والعراق، وأن أمن السعودية هو في فناء هذه القوى، وهي رئيسية في النسق الإقليمي، ثم خلق التحالفات والمنازعات، وكل ذلك من خلال الحاكم العربي.
وقد لجأ المشروع إلى نظرية محكمة لتسريع الإفناء في مراكز الأعصاب العربية، وهي الدول الركائز العربية، وهي أن يكون الولاء للحاكم هو مؤهل الحصول على جزء من خيرات الوطن، بحيث يوزع الحاكم الأسلاب على الموالين، والموت والقهر والجوع لمن اختاروا مصلحة الوطن، فصار الحاكم هو الوطن، ونقد الحاكم جريمة في حق الوطن، ومن خلال الحاكم تزدهر الجراثيم والفطريات البشرية، ويتجذر الفساد، وهو ما أطلق عليه الأتراك الدولة العميقة، وفي الحقيقة، هي لا دولة ولا عميقة، وإنما هي عصابة تلبس لباس الدول، وذئاب في ثوب الحملان.
وقد وصل المشروع الصهيوني الآن في سطوته إلى أن يتدخل في ترتيب أوضاع الإدارة في بعض البلاد العربية بشكل مباشر أو غير مباشر، لتحقيق الهدف النهائي، وهو إفناء العرق العربي.
تأمل وجه الفلسطيني بعد لقائه بترامب وهو منشرح، رغم أنه يدرك أنه انخرط في صفقة القرن، وتأمل وجوه الحكام العرب الذين تلقوا الألواح في مرثية الفناء العربي وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وتأمل لقاء ترامب الإله الجديد لهؤلاء بالحكام العرب والمسلمين وهم يتلقون التعليمات الأخيرة لكتيبة القضاء على الهوية العربية والإسلامية والوجود العربي لنفسه؛ بل تأمل وجه الشباب الفار من وطنه وهو يفضل الموت على جحيم بلده، ووجه الشاب الذي انخرط فى داعش وغيرها من أدوات تصفية الوجود العربي والإسلامي، وهو يمارس القسوة بلذة قتل غيره وخروجه من إنسانيته باسم الله وطمعاً في جنته، بل تأمل أيضاً وجه الشباب الذين فجروا الكنائس في مصر وهم يسيرون بثبات المخدرين وكلهم أدوات، بصرف النظر عن الدوافع والكواليس، في إفناء الهوية.
ولا شك أن إفراغ الشعوب من أخلاقها وتقاليدها وقيمها وهويتها الدينية والقومية والإنسانية هو الطريق الحتمي إلى الفناء الوجودي، فنزع إنسانية الإنسان هي كلمة السر التي غرسها المشروع الصهيوني في الحكام العرب بدرجات مختلفة.
وسوف نركز على أداء المشروع في مصر، سواء كان الحاكم مدركاً أو مساهماً أو غافلاً، لا يهم كثيراً في النتيجة، ولكن يهم فقط في مدة الإفناء.
قررنا أن الحكام العرب يتغنون بمصر، ويرفعون شعار تحيا مصر، وتحت هذا الشعار تختفي الخناجر، كما أنهم جعلوا الشعب المصري بفعل فاعل يسير نحو الكارثة والضياع يوم أن قرروا التكاتف لإنقاذ مصر من السقوط، وهي في الواقع حفل ذبح مصر والمصريين، بحيث صار المصري يفر من قدر الله إلى قدر الله في مصر وغيرها، ويلقى المصريون كل احتقار، كما صارت مصر رجل المنطقة المريض، ومع ذلك ما زال العرب يتكالبون على مصر لدفع عوامل الفناء واستباحة ما تبقى من ثرواتها تحت ستار الاستثمار، بل والاستباحة العلنية لأعراض نسائها وبناتها، يساعدهم على ذلك أن سياساتهم وحلفاءهم في مصر أفقرت المصريين بسرعة فائقة حسب المخطط، فانهارت الأسر، وفقد الأب مكانته على زوجته وأبنائه، فعرف المصري لأول مرة القهر المركب، وانتحرت مروءته وشهامته وفقد رجولته على المذبح العربي، وبالذات الخليجي والسعودي، ولا يزال الخليج يردد الشعارات البلهاء التي يتردد صداها عند أتباعه في مصر وحلفائه في المشروع الجهنمي على ضرورة إنقاذ مصر من السقوط، وهم ينهشون لحومها، ويمتصون دمها؛ بل وينهبون تاريخها، ويشوهون ذاكرتها، والأدهى أنهم يقودون مصر التي كانت كبيرة إلى سوق النخاسة؛ لكي تحارب لأسيادهم في المشروع الصهيوني حروبهم، وإلا ما معنى مشاركة القوات المصرية الجوية والبحرية في اليمن والتحالف الصهيوني – العربي ضد اليمن الشقيق، وما معنى صفقة القرن في مصر بالتعاون مع السعودية بالذات، وقهر الشعب المصري لسلب حلايب وشلاتين وامتهان كل مقدس في مصر بيد الحكومة المصرية؟ وما معنى الكثير الذي لا يمكن حصره، وهي فصول في مسلسل الإفناء.
الذي يفني مصر هم حكامها منذ عام 1952 بقصد أو بغير قصد، والذي أفنى العراق النشامى المستبدون حتى لو كان للاستبداد ثمرات براقة في مستوى الحياة، لكن الإنسان نفسه سلبت إنسانيته فلا قيمة لأية ثمار مرة في مضمار المدنية.
والذي يفني العراق الآن أبناؤها الحكام في معادلة معقدة دخلت فيها إيران بحكم تراكم الأحداث، فصار تقسيم العراق خطة صهيونية – عربية حتى لا تنفرد إيران بالعراق الموحد، وتفنى سوريا بحكم المؤامرة الصهيونية عليها؛ لأن الحد العالي للمؤامرة كان أقوى من استحكامات النظام.
الخلاصة، أن المشروع الصهيوني نجح نجاحاً باهراً من خلال الحكام والاستبداد والأطماع الشخصية في ضرب مصر والعراق وسوريا واليمن وليبيا بأيد عربية، وسوف يختمها بالتقسيم الرسمي لكل الأوطان العربية حتى تقف إسرائيل وسط الخرائب العربية وقد تحولت إلى مقابر وقبائل متناحرة تدين كلها بالولاء لحاكم المنطقة، وهو إسرائيل، فهل تلك البشارة الثانية في القرآن التي تسبق السقوط؟ وهل لا بد أن يفنى العرب أنفسهم، حتى يفنى الشر الصهيوني الذي تمكن من النفوس العربية المريضة التي آثرت مصالحها الشخصية على جثة وطنها؟
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.