مفردات وسياسات حكم عسكري

في تجارب الحكم العسكري السابقة على مدار التاريخ بدول مختلفة، حدثت صدامات شديدة بين أنظمة الحكم العسكرية ومفاهيم وقواعد ومعايير الإنسانية، وهذا نتج عن سياسات الأنظمة العسكرية التي فرضت هيمنتها وسيطرتها على مفاصل الدولة وتولت إدارتها بطرق مكونها العسكري النابع من عقيدتها العسكرية والذي يعتمد على الحلول الأمنية، متغاضياً عن أية حلول سياسية، ولا يعطي فرصاً لممارسة أي شكل من أشكال السياسة خارج الإطار الذي يحدده الحاكم.

وهذا هو ما يشعل الصراع بين السلطة ومعارضيها والذي غالباً ما يكون دموياً في غالبية مراحله؛ بسبب استخدام القوة المفرطة من جانب السلطة العسكرية؛ اعتقاداً منها أن هذا دفاع عن مقاليد الحكم ومكاسبها، وإنما هو قتل عمد للإنسانية.

تستمد الأنظمة العسكرية قوتها من ضعف المجتمع، حيث تقوم باستقطاب أفراده وكتله المستقلة بين مؤيد لها تحت غطاء الوطنية والأمن والأمان باعتبارها صاحبة القوة، وهى القادرة على توفير الأمن الداخلي والخارجي والحماية للوطن، ومعارض للمعارضة عن طريق خداعه وتشويه المعارضة في عينه ووصفهم بالخائنين وعديمي الوطنية؛ لكي تضمن أنه على الأقل إن لم يؤيدها فلن يؤيد المعارضة ولن يشاركها أنشطتها.

وتشعل صراعاً اجتماعياً بين فئات المجتمع؛ حتى لا يتضامن الطبيب مع المهندس في حقوقه والمعلم مع المحامي في حقوقه والطالب مع العامل في حقوقه، فتصنع مجتمعاً مفككاً، جميع أفراده يقفون أذلّاء أمامها يطلبون أدنى حقوقهم، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عكس إدارة الدولة المدنية التي تقوم على حكم الشعب للشعب بمكون ديمقراطي انتخابي ومؤسساتي حر، تنفيذي وتشريعي.

مؤسسات الدولة تحت سطوة الأنظمة العسكرية، دائماً ما يكون تعاملها مع المواطن عنيفاً، خاصة المؤسسات الأمنية والقضائية، حيث تتم معاملة المواطنين بتمييز متعلق بالتوجه السياسي والفكري، وتتم محاكمة بعض المدنيين عسكرياً إن كانت قضيته متعلقة بنشاط سياسي حتى وإن كان مشروعاً دستورياً، بالمخالفة لمواثيق حقوق الإنسانية الدولية التي تحظر إخضاع المدنيين لمحاكمات عسكرية أو فرض أية سلطة للقضاء العسكري على المدنيين.

فالقضاء العسكري خاص بالقضايا العسكرية فقط، وفي بعض الأحيان تقوم السلطة العسكرية بالتحايل على تلك المواثيق وتُخضع المدنيين للقضاء العسكري؛ لتتم محاكمتهم بقانون العقوبات المدني أمام قاضٍ عسكري، يُصدر أحكاماً وفقاً لمنهجه المكون عسكرياً لا وفق قانون العقوبات المدني، وتكون لها سلطة أكثر على القاضي.

وليس ببعيد أن تكون الأحكام خارجة عن القاضي وأتت بإملاءات فوقية من رأس السلطة العسكرية أو إدارته، كما أنه إذا حدثت بعض الاحتجاجات العفوية على ممارسات السلطة العسكرية بحق المدنيين يستخدم مع المحتجين القوة المفرطة، وهذا أيضاً نابع من منهج العسكرية في الأمر والطاعة وعدم الاعتراف بضرورة الإنصات للمحتج وتلبية الاحتياجات، وتتم ارتكاب جرائم القتل خارج إطار القانون وجرائم التعذيب والاعتقال السياسي من هذه النقطة تحديداً؛ بسبب فقدان الآلات الأمنية العسكرية أدوات النقد الذاتي والحوار مع المحكوم، وأيضاً فقدان أدوات إدارة الاحتجاجات العامة التي تندلع على خلفية مطالب غالبية المحكومين سواء كانت سياسية أو اقتصادية، فالأنظمة العسكرية لا تملك سوى أدوات أمنية.

مقدرات الوطن تحت هيمنة الأنظمة العسكرية تكون مهدَرة ولا يتم توزيعها بالتساوي على جميع أفراد الشعب؛ نظراً لرغبة النظام العسكري في شراء ولاء أفراده له وضمان عدم خروجهم عنه، فيعمل على تسخير مقدرات الوطن لخدمة أفراده والموالين له فقط، وبهذا تكون وُزعت ثروات الوطن على فئة واحدة فقط من فئات الشعب على أساس سلطوي، لا على أساس استحقاق أولى عادل بشكل إمبراطوري إلى حد كبير، وتظل الفئات الأخرى تعاني الفقر والمرض وتدني المستوى الاقتصادي والمعيشي.

وكذلك توزيع فرص العمل داخل مؤسسات الدولة، خاصة المناصب العليا في الدولة يكون على أساس أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة، فليس للمجتهدين والمتفوقين والمبدعين نصيب في فرص العمل تحت حكم الأنظمة العسكرية؛ خشية تأهيل كوادر من خارج معسكر السلطة لإدارة الدولة ومن ثم تذهب السلطة لفئة أخرى من الشعب.

السلطة الرابعة أو الإعلام بصوره كافة، مرئياً ومسموعاً ومقروءاً، تحت حكم الأنظمة العسكرية ينحرف إجبارياً عن مساره المهني، وتتحول لأداة يمتلكها النظام الحاكم لتشكيل وتهيئة رأي عام داخلي وخارجي بعيداً عن الواقع المؤلم الذي يعيشه المحكومون، وتزيين حكم الأقلية الفاسدة وتسييس الأديان والعقائد؛ بهدف تغييب الوعى العام تمهيداً لإشعال الحرب بين عامة الشعب والكتلة الديمقراطية التي تعمل على الارتقاء بمستوى الوعي الجماعي بالسلطة، فتضع الفرد بين جحيم الدفاع عن حقوقه المشروعة وجحيم الدفاع عن عقله من فساد الإعلام تحت الحكم العسكري.

الخطاب الرسمي للسلطة العسكرية دائماً يكون مسموماً بسموم بالمحافظة على المصلحة العامة، وارتداء رداء الوطنية المطلقة وأن عملها يسير من منطلق العمل الوطني وليس من منطلق عنصري، وأيضاً تستخدم في عبارتها حث المواطنين على تحمّل الأزمات؛ حتى لا يقع الوطن تحت مطرقة التبعية الخارجية أو الحاجة لدول أخرى، ولكن الحقيقة هي أن الوطن إن لم يحفظ حرية وكرامة أبنائه جميعاً بلا تمييز بينهم- لم يعد وطناً؛ بل هو منفى لهم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top