أحد الأعراض الجانبية لآرائك السياسية

قبل أن تبدأ.. أحيطك علماً بأن الكلمات القادمة تحتوي على جرعة دسمة من التشاؤم والسوداوية، فالرجاء التوقف للحظة، قم فيها برفع عينيك عن الأسطر القادمة، وبعدها قرر أن تكمل أم لا.

بتاريخ: 04‏/06‏/2014.. قام صحفي بإلقاء سؤال هو أشبه بالقنبلة على الدكتور باسم يوسف.. وذلك في آخر حلقة من حلقات برنامج (البرنامج).. الحلقة كانت للإجابة عن سؤال محوري هو: لماذا توقف البرنامج؟

وبالرغم من أن الحلقة انتهت فعلياً دون الإجابة على هذا السؤال، وترك المجال لكل (لبيب) كي يفهم، (اللبيب بالإشارة يفهم)، لكن هذا الصحفي لم يترك اللبيب كي يفهم الإجابة، وإنما سأل الدكتور باسم: (لماذا تتوقف أنت؟).

وعندما تهرب الدكتور من السؤال، فالصحفي لم يدع له مجالاً وأعطاه القنبلة على طبق من بارود وقال له: (بصراحة.. ما تفعله لا يليق بثوري)، فرد عليه الدكتور رداً لا يخلو من الضيق الشديد والغضب الظاهر: (شوف.. لو حصل لنا حاجة.. آخرك هتكتب مقال أو تويتة أو تعمل هاشتاج).. وخلاص!

إذا بحثنا عن (وخلاص)، سنجد فعلاً أنه (وخلاص).. ففي تاريخ: 29‏/11‏/2015.. مرضت والدة الباحث السياسي إسماعيل الإسكندراني، وبدون تردد قطع سفره وجاء إلى مصر، وبرغم التحذيرات من أعلى المستويات داخل مصر وخارجها، من بينهم (الخارجية الألمانية) بنفسها؛ حيث كان يقيم، فإنه اختار أن يلقى أمه!

للأسف لم يستطِع رؤية أمه؛ حيث إن ما رآه هو شرطة المطار تقبض عليه، وتحضر له وكيل النيابة في منتصف الليل (مخصوص)، والتهمة الانتماء لجماعة محظورة، لطالما هاجمها هذا الباحث، ولكن أبحاثه في الشؤون السيناوية، وفضحه التهجير القسري من النظام لأهالي رفح بسيناء، هو فقط الذي ألقاه في السجن حتى وقتنا هذا.

تضامن معه وقتها مَن تضامن، وكتبت له السطور، وأسدلت له بعض الصحف والصفحات من مساحتها، لكنه الآن دخل في طي النسيان، ذلك ككل من كان له رأي سياسي معارض للنظام مثله.

إذا أخذتك نفسك إلى (مساحة الاطمئنان الملكية)، وقالت لك أين أنا من هذا الباحث الذي يكتب في كبريات الصحف والمجلات البحثية؟ فلن أدعك تمر.. وسأقول لك إن هناك شاباً كان يقف دوماً بطرقة بيته، مصوراً نفسه وهو يلقي بعض الكلمات المعارضة على هيئة منظومات شعرية أو نثرية عامية، واسمه (غازي حبيبة).

كتب (غازي) بعض الكلمات، كانت هي آخر كتابة له على الفيسبوك بتاريخ: 12 / 03 / 2017، وكانت تحمل من الأسى والألم ما لا تطيقه نفس مسالمة، فقد قال إن الشرطة المصرية اقتحمت بيت أخته، وقامت بالقبض على أخيه؛ للمساومة على أن يسلم نفسه طوعاً لهم بسبب كلماته المعارضة للنظام.

وبالرغم من أنه أساساً مقيم بدولة خليجية، وكان سبب نزوله هو رؤية أول مولودة له في نفس الشهر، فإنه وإلى الآن لم يستطِع أن يراها إلا من وراء القضبان.

لم تفرد له الصحافة من مساحتها كما أفردت لمن قبله، اللهم إلا مقال عابر في صحيفة مغمورة أو صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي، وبعدها بأيام، دخل في مغب النسيان والكهف المظلم لعشرات الآلاف من المعتقلين بسبب آرائهم.. فقط بسبب آرائهم!

تجربتي بعد وقت طويل من الرجاء والتوسل من والدتي الغالية بعدم الكتابة بما يكره النظام الحاكم، وإلحاحها الدائم بقفل صفحتي الشخصية على الفيسبوك.. كنت حينها أراوغها بالكلمات المعسولة المطمئنة.

حتى إن حلت المصيبة الكبرى والفاجعة العظمى، وعلمنا أنها أصيبت مؤخراً بمرض لعين، يتحتم فيه على كل فرد من عائلتنا البسيطة أن يلازمها ويقدم لها كل سبل الرعاية والراحة.. الراحة النفسية قبل راحتها الجسدية، مع خطة علاج طويلة الأمد.

عند ظهور احتمالية فقدان عزيز لك، على رتبة ومقام (أم) قد كافحت منذ وفاة (أب) أجبره حادث في شبابه على أن يترك أبناءه الصغار، ويذهب لملاقاة راعيهم الأول، خالقهم سبحانه وتعالى، ويخلف وراءه أطفالاً، أكبرهم وقتها لم يتخطَّ السابعة من عمره، هو كاتب هذه السطور.

حينها فقط قد تتغير قناعاتك على نحو لم تعتقد يوماً أن تتغير، وتجد يدك وبشكل تلقائي قد أغلقت كل منصة كانت يوماً تمرر آراءك للناس، وتقصف كل قلم قد سطرت به موضوعاً، كنت تبتغي منه صلاحاً لحال بلدك، ورفعة لأهله، ونصرة لمظلومه، ذلك في سبيل راحة أمك، وأملاً في شفائها العاجل.

وإلا تختار أن تكون سبباً في حسرتها عليك، أو انضمامها لطابور الزيارات بالسجون، ملقاة على التراب من الفجر وحتى العشاء، أملاً في رؤية ابنها لدقائق معدودة، وهو ما لا يحتمله جسدها الطاهر الآن، وهذه أحد الأعراض الجانبية لآرائك السياسية!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top