“عزازيل” يحوم حول المدينة المقدسة

لم تكن التصريحات الأخيرة للأديب والمؤرخ المعروف (د. يوسف زيدان) في برنامج “كل يوم” مع الإعلامي “عمرو أديب” مساء الأربعاء 10/5/2017 هي أول تصريحاته الصادمة، حين صرح بكل وضوح بأن (صلاح الدين الأيوبي) من أحقر شخصيات التاريخ الإنساني -على حد وصفه- بسبب ما فعله بالفاطميين في مصر وكيف قضى على دولتهم لتثبيت ملك عائلته الأيوبية، ولم تكن تلك التصريحات أيضاً هي الأولى كذلك عن “السلطان الأيوبي” الذي حرر القدس من أيدي الصليبيين.

ففي مساء يوم 4/12/2015 ببرنامج (ممكن) مع الإعلامي (خيري رمضان) على قناة الـ(CBC) المعروفة بتوجهها الموالي للنظام الحاكم بمصر، بدأ (زيدان) كلامه عن القدس والمسجد الأقصى وعن المغالطات التاريخية التي أججت صراعاً لا داعي له – من وجهة نظره – بين العرب والمسلمين من جهة وبين الاحتلال الصهيوني من جهة أخرى.

(يوسف زيدان) الروائي والفيلسوف المصري المتخصص في علوم المخطوطات وفهرستها والتاريخ العربي، والذي عمل مستشاراً بمكتبة الإسكندرية، اعتمد على إحدى الروايات عن حادثة الإسراء والمعراج مدعياً فيها أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما أسري به إلى المسجد الأقصى المبارك كما ورد بسورة “الإسراء” لم يكن هذا هو المسجد الموجود حالياً بالقدس المحتلة، وإنما مسجد آخر بين (مكة) و(الطائف) تحديداً في منطقة تسمى (الجعرانة) على بعد 60 كم من مكة المكرمة اسمه (المسجد الأقصى) أيضاً، متجاهلاً بذلك كل الروايات الصحيحة والثابتة في كتب التفسير وصحيح الأحاديث، ومبرزاً فقط كلام (الواقدي) الذي ضعفه أغلب أهل الحديث الثقات أمثال (البخاري) و(أبو داود) و(النسائي) و(يحيى بن معين) وغيرهم.

ادعى (زيدان) أيضاً أنه لا قدسية لمدينة (القدس) سواء من جانب المسلمين أو اليهود، وأن اسمها في الأصل (إيلياء) كما ذكرها (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه في (العهدة العمرية)، وأن كل ما في الأمر أنه على مر التاريخ الإسلامي جرت ألعاب سياسية عديدة تلاعب بها القادة المسلمون بقدسية المسجد الأقصى المبارك بداية من الخليفة (عبد الملك بن مروان) مروراً بـ(صلاح الدين الأيوبي) وانتهاء بـ(جمال عبد الناصر) ليجنوا مكاسب سياسية بحتة لا علاقة لها بالدين، على حد تعبيره.

وزعم أن (عبد الملك بن مروان) عندما ثار عليه (عبد الله بن الزبير) واعتصم هو وأنصاره في الكعبة امتنع الناس عن الحج فاضطر لبناء مسجد (قبة الصخرة) على الصخرة التي عُرج منها بالنبي (صلى الله عليه وسلم) إلى السماء؛ لتكون بديلاً عن المسجد الحرام -على حد وصفه- متعمداً الخلط بين مسجد قبة الصخرة الذي تتميز قبته باللون الذهبي والمسجد الأقصى المبارك ذي القبة الخضراء.

وأضاف أيضاً أن السلطان (صلاح الدين الأيوبي) استغل القدسية “المزعومة” للقدس في تأجيج عواطف عموم المسلمين لقتال الصليبيين المحتلين، ومن ثم يستتب له الأمر ويصبح لأول مرة الكردي المملوكي حاكماً على العربي.

أثارت تصريحات (زيدان) موجة انتقادات واسعة بين صفوف المفكرين الإسلاميين فانبروا مدافعين عن مقدسات الإسلام، وكان على رأسهم المرحوم (د. محمد عمارة)، المفكر الإسلامي المعروف الذي وافته المنية بعد تلك الحادثة بأقل من أسبوعين؛ حيث نقلت قناة (الجزيرة مباشر) محاضرة يرد فيها (عمارة) على تدليس (زيدان) ويشير إلى بعض الحقائق الصادمة.

كان مما أشار إليه الدكتور محمد عمارة أن هذا الكلام ليس بجديد ولقد أثاره نهاية القرن الماضي أحد أخطر المفكرين الصهاينة ويدعى (موردخاي كيدار) وهو أستاذ في جامعة (باريلان) الصهيونية؛ حيث قال الرجل بالنص ما أعاده (زيدان) على مسامع المشاهدين وأشار أيضاً إلى رواية (الواقدي) الضعيفة.

جاء لقاء (خيري رمضان) مع (يوسف زيدان) في معرض دفاع الأخير عن قرار “البابا تواضروس” بابا الإسكندرية بالسماح لأتباعه باستخراج تأشيرة إسرائيلية والذهاب إلى القدس المحتلة لزيارة المقدسات المسيحية هناك بعد أن كان قد منعها سلفه “البابا شنودة” لأسباب سياسية -على حد تعبير زيدان- محاولاً على ما يبدو إصلاح علاقته بالكنيسة المصرية التي توترت كثيراً بعد أن صدرت روايته “عزازيل” المثيرة للجدل عام 2008، وحصدت العديد من الجوائز.

“عزازيل” التي تعني “إبليس” باللغة السريانية العتيقة، تروي قصة راهب مصري يدعى (هيبا) فر من الإسكندرية وكنيستها المتعطشة للدماء واضطهادها لكل مَن يخالفها في العقيدة إلى كنيسة القيامة بالقدس، ثم منها إلى أحد الأديرة النائية بمدينة (حلب) السورية، وهناك وسوس إليه الشيطان كي يكتب قصة حياته كاملة منذ أن كان صبياً يعيش في صعيد مصر، حتى انتهى به المقام كراهب يعمل في الكنيسة المناوئة عقائدياً وسياسياً لكنيسة موطنه الأصلي، وحين انتهى من كتابة قصته دفن تلك المخطوطات بجوار سور الدير؛ حيث عثر عليها لاحقاً في العصر الحديث وتمت ترجمتها.

ولقد هاجم حينها الكثير من قيادات الكنيسة المصرية، وعلى رأسهم (الأنبا بيشوي) سكرتير المجمع المقدس رواية “عزازيل” متهماً مؤلفها بالتدليس والكذب والنيل من عقيدة أتباع كنيسة الإسكندرية في بيان عنونه بـ”بهتان زيدان”، تلك الاتهامات التي أنكرها (زيدان) كاملة، مؤكداً أن أحداث الرواية صحيحة، وأن الأشخاص المذكورين في الرواية كعالمة العلماء (هيباتيا) والأنبا (نسطور) والأنبا (كيرلس) وغيرهم أشخاص تاريخية معروفة، وأن الصراع الدموي الذي جري بينهم معلوم ومؤرخ له.

ربما يجد القارئ نفسه مشتتاً بين تصريحات وكتابات (يوسف زيدان) القديمة والحديثة، ولا يدري إلامَ يرمي الرجل حين يصطدم بثوابت الإسلام والمسيحية محاولاً النيل منها؟ لكن التسريب الذي نشر له على موقع (اليوتيوب) منذ عام تقريباً لإحدى ندواته بمدينة (دبي) ربما يوضح أهداف المؤرخ المثير للجدل من تلك التصريحات؛ حيث صرح (زيدان) بأنه اتفق مع (السيسي) على عقد الندوات والمؤتمرات التي سوف تؤدي إلى تشكيك الناس في قدسية مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك.

وربما يأتي هذا التسريب متسقاً مع المشروع المسمى بـ(صفقة القرن) الذي طرحه (الجنرال عبد الفتاح السيسي) خلال زيارته الأولى للرئيس الأميركي (دونالد ترامب) مطلع الشهر الماضي، والذي يهدف إلى تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي بإيجاد وطن بديل للاجئين الفلسطينيين من الممكن أن يكون (سيناء)، وتصفية فكرة المقاومة الفلسطينية مع الإفراج عن بعض الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال وحل الدولتين على حدود 1967، لكن تبقى قضية القدس هي العقبة الكؤود في طريق تمرير ذلك المشروع، وهنا يأتي دور المثقفين أمثال (يوسف زيدان) وغيرهم، حين يحاولون جاهدين خلخلة تلك العقيدة المترسخة في نفوس العرب مسلميهم ومسيحييهم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top