اتخذ الخلفاء الراشدون المدينة المنورة عاصمة لدولتهم، فهم مَن تسلّم زمام الأمور وإدارة شؤون المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
كانت المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية الأولى؛ لم تكن الخيارات كثيرة أو متاحة لتتراوح بين المدينة المنورة ومكة المكرمة، خاصة إذا علمنا أن بلاد الشام والعراق لم تكن جزءاً من الدولة الإسلامية الأولى والراشدة، أو أقله لم تكن قد استتبت الأمور فيهما بشكل تام.
لقد أيقن الأمويون أن مكة المكرمة والمدينة المنورة هما المركز الروحي ومنبع النور الذي سطع منهما في سبيل إتمام مكارم الأخلاق للإنسانية جمعاء، وهما أسمى وأرفع من أن يدنسا بالدسائس، والمؤامرات والحيل السياسية، فبلاد الحجاز تستحق أن تُخدم ويقدم لها النقاء والصفاء، ولا يجوز أن تُقدم لها الشوائب أو المنغّصات، ولا يجوز رسم خطط الكر والفر، والكيد فيها، وهل يمكن أن يخرج من طيبة غير الصفاء والطياب؟
أصبحت دمشق الشام، عاصمة الإمبراطورية السياسية، فيما ابتعدت أرض الحرمين عن القرار السياسي متدثرة ببياض نقي غير آبهةٍ بما يسار إليه بدمشق ومن ثَم بغداد.
لا ينكر أصحاب العلم بالتاريخ الإسلامي أن بلاد الحجاز تبعت دار الخلافة بعيدة أم قريبة، ولم يكن لبلاد الحجاز أي أداء سياسي يخص شؤون الدولة الإسلامية، منذ أن ودعت دار الخلافة المدينة المنورة، فبلاد الحجاز اعتادت أن تدير شؤون الحجيج وتقوم على خدمتهم، أما أهلها وولاة أمرها لطالما عملوا على تقديم الأفضل لحجاج بيت الله الحرام؛ بل وعملوا جاهدين على تحسين أدائهم في خدمة ضيوف الرحمن.
نعم وبكل وضوح، انتهى الدور السياسي المباشر والصريح لبلاد الحجاز بالمفهوم المادي والدنيوي، منذ انتهاء حقبة الخلفاء الراشدين، إلا أنها استمرت بضخ الطاقة وإشاعة روح الدعوة للإسلام في أرجاء الأرض وفي عواصم الخلافة المختلفة، إنه إرث وتاريخ لا يمكن إنكاره.
اليوم.. نعيش بحقبة لا وجود لدولة إسلامية أو خلافة جامعة، فالأقطار الإسلامية مشتتة ومبعثرة، بالكاد تجد قُطراً مشرقياً يتمتع بالاستقرار؛ لأسباب عدة لسنا بصدد البحث عنها بقدر البحث عن موقع بلاد الحرمين في خضمّ هذا التشرذم والشتات.
من المؤكد أن حِقبة الدولة الراشدة، حالة غير متكررة؛ فالخلفاء الراشدون كانوا خير خلف لخير سلف، على الأقل وفقاً لثقافتنا الإسلامية ومناهج التدريس في بلاد الحرمين، فهل يخرج علينا أحدهم ليتشدق بجغرافية بلده واحتكار الدولة الراشدة لصالحه وتصبح حصرية له؛ ليعلن الخلافة وينصب نفسه الخليفة الخامس في الخلافة الراشدة؟ محال، وما دون ذلك هراء.
هل ستخالف بلاد الحرمين البروتوكول التاريخي وتلعب دوراً سياسياً أساسياً خلافاً لقرون طويلة من الأزمان؟
هل قبلة المسلمين ستصبح وجهة المسلمين السياسية ودار خلافتهم رغم الحضور والتأثير القوي لغير المسلمين في اتخاذ القرارات ببلاد الحرمين؟
هل فعلا يمكن لبلاد الحرمين أن تتحمل حياكة الدسائس والمكائد السياسية؟ خلافاً لما رسمه القادة المسلمون الأوائل الذين حرصوا كل الحرص على إبعاد كل شائبة عن بلاد الحرمين.
سيقول قائل: إن بلاد الحرمين خرجت من عباءة الوصاية، وآن لها أن تكون صاحبة الريادة والقيادة، حديثة منفتحة، بيدها مفاتيح العديد من الأقطار العربية والإسلامية، فهي تستحق ذلك.
بلى تستحق ذلك، لكن قبل ذلك لا بد لبلاد الحرمين أن تتحرر من التبعية للغرباء، فهم يقدمون لها الخدمة مقابل الحصول على الهدايا والعطايا والكثير من الخيرات، أما دار الخلافة في دمشق وبغداد ومن ثم إسطنبول فقدموا الخدمة في سبيل الله، ومن باب الواجب والأصالة في استكمال دعوة رسول الله.
ألم تعلموا أن محمد أبو نمي الثاني بن بركات، سارع مهرولاً للقاهرة حاملاً مفاتيح الحرمين الشريفين ليقدمها للسلطان العثماني كرمز لخضوعه واعترافاً منه بالسيادة العثمانية على الأراضي المقدسة الإسلامية، وبذلك انتقلت حماية الأراضي المقدسة من المماليك إلى الخليفة العثماني سليم الأول، لم يُعب ابن بركات بذلك من أحد، فخدمة الحرمين أودعت بين يدَي خليفة المسلمين، فيما تفرغ تبن بركات لخدمة حجاج بيت الله الحرام.
لم تُدر شؤون بلاد الحرمين السياسية بشكل ذاتي منذ أن اتخذ المسلمون عواصم لهم خارج حدود الجزيرة العربية، فكانت بلاد الحرمين تتبع الخلافة وتدار شؤونها بيد الخلفاء وولاتهم الذين دان لهم المشرق والمغرب، أما اليوم فلنعترف ولنصارح أنفسنا بأن حالة المشرق العربي والإسلامي ليس لها مثيل في تاريخنا الإسلامي؛ فبلاد الحرمين ومنذ بضعة عقود لا تحتمي بدار الخلافة الإسلامية لانعدامها منذ قرن من الزمان؛ لتصبح أرض الحرمين في مهب الريح، وتجاذبات القوى الغربية غير المسلمة، فيديرها ولاة الأمر ممن تحصلوا على مباركة ودعم الأيادي الغربية من بلدان حوض بحر الظلمات.
ألا يعلم قادة بلاد الحرمين أن دوام الحال من المحال، وأن عصر الظلمات الذي تعيشه الأمم المسلمة سيكون من التاريخ عاجلاً أم آجلاً؟ لذا وجب عليهم التريث والتماسك حتى تزول هذه الغمة والظلمة، وإلا فإن التاريخ لن يرحمهم أو يداهنهم.
أليس الأولى بمسؤولي بلاد الحرمين أن ينأوا ببلادهم عن الخلافات السياسية الساحقة والماحقة بهذه الحقبة؛ لتبقى أرض الحرمين أرض اللاخلاف، وبلاد اللاعداء؟ أليس من حقنا أن نتساءل ونُبدي قلقنا حيال مستقبل موروثنا التاريخي الإسلامي؟
هل بتنا على أعتاب صفحات جديدة لا شبيهة لها في تاريخنا؟ أم أننا أمام محاولات لا تختلف عن سابقاتها من المحاولات التاريخية الأخرى الفاشلة للفرق الباطنية المختلفة وأعداء نور الإسلام الساطع التي رصدها التاريخ بحقب مختلفة؟
هل نحن على شفا زلزال مدمر لتاريخ وإرث متأصل منذ آلاف السنين؟ أم أن هذه البهرجة والضجيج من حولنا لا تعدو كونها زوبعة في فنجان؟!
من المؤكد أن مقياس رصد الزلازل سيسجل أي اهتزاز حتى الخفيف منه، إلا أننا أمسينا على قناعة بأن مقياس ريختر السعودي معطوب بلا شك، لا يملك القدرة على التمييز بين الغثّ والسمين؛ ليصبح رصد الصباح فشلاً لا بد من المبيت وإياه.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.