(لا يستطيع علي وباعتباره نموذج العدالة المثالي، أن يرضى بالظلم من أجل المصلحة؛ لأن المصلحة تلوث الحقيقة) علي شريعتي متحدثاً عن علي بن أبي طالب.
لم يعد للكلام أي قيمة أمام الفعل، وحده الصمت من يُبقي الضمير حياً، ولأنني لم أعُد أحتمله، سأوجّه كلماتي إلى أولئك الذين تربطنا بهم علاقة إنسانية راقية، إلى أولئك الذين يحترمون كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية ولا يرضون بهدر حقوقه للاختلاف بالرأي، إلى مَن لا يرضى بالظلم والطغيان، إلى مَن يعتبر أن لكل إنسان حياة لها قيمة وذات اعتبار وليست رقماً في سجل الضحايا، إليهم وحدهم أوجّه هذه الكلمات وقد طال الاختلاف بيننا، وأمعن فينا شدة الخصام.
وإني وإذ كنت أعيد النظر بما أحمل من أفكار وما تحملني عليه معتقداتي من توجهات، فكم أتمنى أن تكون عندهم فرصة إعادة النظر كذلك.
اتفقنا سابقا على أن نظام الأسد قمعي ومستبد، قام على الظلم وليس العدالة، واتفقنا أيضاً على أن هذا النظام دعم المقاومة حين تخلّت عنها كافة الأنظمة العربية، فقد فتح ذراعيه لحركات المقاومة الفلسطينية واستقبلها رغم عدم رضا الكثيرين، واتفقنا أيضاً على أن حزب الله يشاركنا عداء إسرائيل، ويعتبر قضية فلسطين قضية جوهرية له، يسعى ضمن إمكانياته لنصرتها ومساعدة أبنائها في تحقيق هدفهم.
لكننا اختلفنا بشدة حول ما آلت إليه الأمور في سوريا، فقد حمَّلنا النظام السوري المجرم مسؤولية دمار سوريا وتشريد أبنائها وقتلهم بالآلاف، إلا أنكم ركزتم على فعل بعض المعارضة وأنكرتم الشعب، ذهبتم إلى الفرع وتركتم الأصل، اخترتم الثانوي والضحل على حساب الرئيسي والجوهر، حلّلتم ما لا يحتمل التحليل، وغرقتم بتفاصيل لا تُغني عن الجوهر.
ثم لاحقاً نقلتم الإطار إلى حقل السياسة بالرغم من أنه مسألة إنسانية بامتياز، فقد فاضلتم بين الجرائم متذرعين باختيار أخف الضررين، مفترضين أن مَن يختلف معكم يدعم الأنظمة الرجعية وحركات إرهابية.
كم كان مؤسفاً دعمكم لتدخّل حزب الله في سوريا، وحصاره للمخيمات، استحضرتم إسرائيل ومؤامراتها في كل فعل لحزب الله، لكن نسيتم لماذا نقاتل إسرائيل؟ وما هو الفارق بين نظام قاتل ومجرم وآخر؟ لطالما رفضتم أن يكون الصراع بيننا وبين الاحتلال على أساس ديني، وكأن حزب الله وإيران لا تسندهما أساس ديني؟
بربكم، بمبادئكم، بأخلاقكم، بكل ما تؤمنون به، ما هو الفارق عندكم بين جند الأسد الذين يلقون البراميل المتفجرة وبين وعصابات الهاغانا؟ أهو الدين؟ أم قومية زائفة لا معنى لها لمن لا كرامة له.
أصدقائي نحن لسنا مختلفين فيما نرى معاً، نحن مختلفون في رواية كل منا لمن يحب، دعونا نجمع أن الشعوب لا تحكم بالقهر، دعونا نتفق على أنه عند حد معين لا معنى للمؤامرات وما بعدها، عند تراكم الجثث وترويع الأطفال وقتلهم وتشريدهم لا معنى للشعارات، لا معنى للوطن إن مات الإنسان، فإن ما يزيد عن عشرة ملايين لاجئ لا يملكون رفاهية نقاش من أظلم بقدر ما يقلقهم برد شتاء قادم.
دعونا نُجمع أيضاً على أن فلسطين بعدالة قضيتها لا تعطي صك حصانة لأحد، لا تقلب الظلم إلى عدل، الجرم إلى فعل مباح، فلسطين ليست أغلى من سوريا التي دُمرت، فلسطين حلم لا يعيشه إلا طاهر حر لا يقبل بالظلم لأجل المصلحة.
طوبى لكل مَن كان الإنسان غايته وليس وسيلته، طُوبى لمن يصمت خجلاً أمام الموت.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.