الحصار، فالتجويع، فالاستسلام، ثم أعِدْ الكرَّة.. الدائرة الجهنمية في سوريا

أقضي أيامي في محاولة الوصول إلى السوريين المختبئين من الحرب التي لا تزال تغمرهم، حتى وأنا أحاول أن أنسى تجربتي الخاصة في تلك الحرب قبل ستة أعوام.

يضيف الكاتب نور الأكرع في مقال نشره بـ وول ستريت جورنال: في الأسابيع الأخيرة، تمكنتُ من الاتصال بالهاتف وتبادل الرسائل النصية مع أشخاصٍ في ضاحية الغوطة الشرقية بدمشق. إنَّهم يحتمون في الأدوار السفلية والأنفاق، باحثين عن الطعام لإطعام أطفالهم الجياع. وينطقون بأفكارٍ شجاعة حتى وأنا أسمع الخوف يرتجف في أصواتهم.

أشعر بالخجل من بعض الأسئلة التي يجب أن أطرحها عليهم: كيف تشعر؟ ما هو الحال تحت الأرض؟ ماذا يحدث عندما تنفجر الصواريخ في مكانٍ قريب؟ في بعض الأحيان يردون بحدة: هل أنت جاد في طرح هذه الأسئلة؟

وقتها فقط أخبرهم أنَّني من مدينة حمص، من حي بابا عمرو، وهو المكان الأول الذي حاصره نظام بشار الأسد وقصفه حتى خضع في عام 2012. أرادت الحكومة إجبار المعارضة على الانسحاب، وأيضاً أن تجعل من المدينة عبرةً.

ويُنشئ هذا الإفصاح رابطاً فورياً بيني؛ الصحفي السوري الذي يعيش في المنفى في ألمانيا، وبينهم، هؤلاء السوريون الذين يتعرضون للقصف من قِبل حكومتهم. الغوطة الشرقية هي واحدة من آخر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ويريد النظام الاستيلاء عليها لتعزيز سيطرته.

قبل الغوطة الشرقية كان هناك وادي بردي. وقبل ذلك حلب، وقبل ذلك العديد من المدن والأحياء التي يمكن إدراجها على القائمة، وجميعهم يخضعون لنفس قواعد اللعبة التي تقوم على الحصار والقصف: جوعوا أو استسلموا.

الغوطة الشرقية، وادي بردي، وحلب، جميعها خضعت لنفس اللعبة: جوعوا أو استسلموا.

كان حي بابا عمرو، وهي منطقة منخفضة الدخل على حافة حمص، هو المكان الذي قضيتُ فيه الكثير من أسعد ذكريات طفولتي، حيث كنتُ الطفل الأصغر المدلّل من بين خمسة أطفال. كنتُ أذهب كل صباح لشراء خبز عربي طازج وقطعة من الكعك أو المعجنات من مخبز الحي. ولم يكن صاحب المخبز أبو حسن يُناديني باسمي أبداً. كان يُشير إليّ بـ”ابن الآنسة”، أي ابن المُعلمة، وهي بادرة احترام لأمي، التي كانت مديرة المدرسة الابتدائية.

وفي السادسة عشرة من عمري، أخذتُ أول فتاة كنتُ أواعدها إلى مكان خال صغير في بابا عمرو، بالكاد يمكن وصفه بأنَّه حديقة. لم يكن لدي أي مال لأشتري لها مشروب صودا أو كيس رقائق بطاطا. جلسنا فقط على مقعدٍ وتحدثنا لساعات.

جعل والدايّ التعليم أولويتنا، وشجعونا على التركيز على تعلم اللغة الإنكليزية. كان والدي يقول دائماً إنَّ “اللغة الإنكليزية سوف تساعدك في مستقبلك”. وفي عام 2010، بدأت سنتي الأولى في الجامعة في حمص، ودرستُ الهندسة المدنية.

وفي عام 2011، عندما تحول جهد السوريين للمشاركة في “الربيع العربي” إلى حرب أهلية، كان حي بابا عمرو أحد المناطق الأولى التي سيطرت عليها المعارضة المُناهضة للحكومة، وسُرعان ما أصبحت هدفاً للنظام. وعندما رأيتُ أشخاصاً أعرفهم يُطلق عليهم النار، أصبحتُ ناشطاً، واستخدمتُ معرفتي باللغة الإنكليزية للتواصل مع منظمات حقوق الإنسان.

ما مررنا به في بابا عمرو هو أقل بكثير، مُقارنةً بما يمر به سُكان الغوطة، ولكنِّي أستطيع أن أتفهمه وأجد رابطاً بينهما. وأعرف الإجابة عن سؤالي الصحفي حول صوت الصاروخ الذي يقترب، صوت الصاروخ المُخيف يجعلك تتساءل إذا كانت ستكون هذه هي اللحظة التي تترك فيها روحك جسدك.

صوت الصاروخ المُخيف يجعلك تتساءل إذا كانت ستكون هذه هي اللحظة التي تترك فيها روحك جسدك.

بعد حوالي 20 يوماً من الحصار المتواصل والقصف، هربتُ من بابا عمرو مع آخرين كانوا يختبئون معي. انتظرنا حتى حلول الظلام وتسلَّلنا نحو حافة الحي، الذي تعرَّض للقصف الشديد، لدرجة أنَّ معظم المعالم لم يعد من الممكن التعرف عليها. وأخيراً وصلنا أنبوب مياه غير منته، يبلغ طوله حوالي خمس أقدام وعرضه ثلاث أقدام.

ومشينا لمدة ساعتين وظهورنا منحنية خلال الأنبوب الرطب. وكانت رائحة العفن خانقة، ولم يكن هناك أي ضوءٍ في النهاية لإرشادنا. وعندما وصلنا أخيراً إلى فتحة الأنبوب، كان علينا أن نبقى هادئين، ولم نتمكن حتى من إشعال سيجارة، لوجود نقطة تفتيش تابعة للجيش في مكانٍ قريب.

في السنوات الست التي انقضت منذ أن غادرتُ بابا عمرو، حاولتُ أن أترك خلفي هذه الذكريات المؤلمة، وأن ألفت الانتباه إلى معاناة الشعب السوري. وألهمتني الصحفية الأميركية الشجاعة ماري كولفين التي كانت تعمل في صحيفة صنداي تايمز البريطانية.

كنتُ أنا وماري نعيش في نفس المنزل الكبير في بابا عمرو. كانت قد استأجرته مجموعةٌ من النُّشطاء، وعندما انتقل الصحفيون إليه لاحقاً، أصبحتُ دليلهم، أساعد البعض منهم على التنقل في المناطق الخطرة والالتقاء بالمصادر. وعندما تمكنتُ أنا وماري من الهرب، شعرتُ بالارتياح والسعادة لأنَّني في أمان، ولكنَّها لم تستطع التوقف عن التفكير في الأشخاص الذين لا يزالون محاصرين في الداخل، وعادت هي إلى هناك.

اتصلت ماري بوكالة “سي إن إن” الأميركية، وهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، ومنافذ تلفزيونية أخرى لتُخبر المشاهدين أنَّ “الجيش السوري ببساطة يقصف مدينة مليئة بالمدنيين الذين يشعرون بالبرد والجوع”. وفي اليوم التالي قُتِلَت عندما ضربت القذائف المبنى الذي كانت فيه.

فكرة أنَّ ماري ضحَّت بحياتها لمساعدة شعبي، أضاءت طريقاً إلى الأمام بالنسبة لي. أصبحتُ صحفياً لأحاول أن أخبر الناس بهذه الحقائق الصعبة حول ما كان يحدث في سوريا، وربما لدفع الزعماء الأجانب لفعل شيءٍ لوقف إراقة الدماء.

في عام 2012، لم تكن سوريا معقدة كما يقول العديد من الزعماء الغربيين عنها الآن. كنتُ آمل أن تتدخل الأمم المتحدة والقوى المتحضرة في العالم بسرعة لفرض حلٍّ سياسي، وهذا لم يحدث.

تابعتُ النشر عن أولئك الذين لم يتمكنوا من الخروج من سوريا. كان ذلك يعني أنَّني لم أكن بعيداً أبداً عن ذكريات الحرب الخاصة بي، وأحياناً كانت المشاعر التي يثيرونها بنفس قوة مشاعري في المرات الأولى التي اختبرتها فيها.

وفي عام 2015، عندما أخبرني أحد سكان بلدة المعضمية التي ظلَّت تحت الحصار لمدة عامين عن الجوع الذي كانوا يعيشونه وأصاب حياتهم بالشلل، فهمتُ ما يقصدونه. تذكرتُ عدم تناول الطعام لمدة يومين، والشعور الذي كان يساورني كما لو كنتُ في حالة سُكر، لم أعد قادراً على التفكير بشكلٍ صحيح أو اتخاذ أي قرار.

وفي عام 2016، عندما رأيتُ صوراً من حلب للطفل عمران، الذي كان يبلغ من العمر خمس سنوات، وهو مُغطى بالدماء والكدمات بعد انتشاله من أسفل الأنقاض، تلك الصورة التي لفتت انتباه العالم لفترةٍ وجيزة، تذكرتُ رؤية جيراني وأطفالهم يركضون في الشوارع دون أحذية، للهروب من القذائف التي تهبط حولهم. تذكرتُ رؤية جثث الأطفال المُتناثرة في المستشفى الميداني، وتساءلت: “لماذا استحقوا ذلك؟ لماذا يهجم النظام عليهم، وهم بعيدون للغاية عن الخطوط الأمامية؟”.

لماذا استحقوا ذلك؟ لماذا يهجم النظام عليهم، وهم بعيدون للغاية عن الخطوط الأمامية؟

والآن، مع استيلاء نظام الأسد على أجزاء أكثر وأكثر من الغوطة الشرقية، وجدتُ صعوبةً أكبر في التواصل مع مصادري على الأرض. هل ما زالوا على قيد الحياة؟ هل اعتقلهم النظام؟

قلقي عليهم يُعيد إليَّ ذكريات الأيام التي كانت فيها قوات النظام تتقدم في بابا عمرو، وهي تُسيطر على الحي شارعاً بشارع، وتدفعنا إلى منطقةٍ تتقلص باستمرار. ما زال بإمكاني الشعور بهذا الهلع، مثل يدٍ تقبض على معدتي من الداخل. كنا نخشى أن يُمسَك بنا ويُقبَض علينا، ولم نكن نعرف ماذا سيفعل الجنود بنا. اقترح أحد أصدقائي أن نختبئ في خزان مياه صغير على سطح منزله. في النهاية، هربنا. ولم أعد إلى هناك منذ ذلك الحين.

عندما اجتاحت قوات الأسد حي بابا عمرو، تعرض منزل طفولتي للنهب، وسُرِقَت دراجتي، وتلفزيوني، وحتى لعبة الدب المحشو الخاصة بي. وعائلتي الآن متناثرة بين حمص، ولبنان، والسعودية، وألمانيا.

سوف ينتهي المطاف بالغوطة تحت سيطرة الأسد، مثل كل المناطق التي حوصرت سابقاً. سيهرب بعض الناس من منازلهم، كما فعلتُ أنا، على أمل أن يتمكن أطفالهم من العودة يوماً ما. وسيبقى آخرون ويعانون أكثر، وهو ما يبدو أنَّه عقاب الشعب السوري على تجرئه على الانتفاض ومقاومة نظامه الوحشي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top