هل هي حربٌ باردة جديدة على روسيا؟ نيويورك تايمز: بل أسوأ

أثار طرد عشرات الدبلوماسيين الروس من الولايات المتحدة وبلدان في مختلف أنحاء أوروبا وخارجها، من جديد، تساؤلات حول ما إذا كان العالم متجهاً إلى حيث كان أثناء الحرب الباردة. الإجابة المثيرة للقلق من البعض في روسيا هي “لا”، لكنَّ القدرة على التنبؤ بالوضع أكثر صعوبة بشكلٍ أو بآخر.

بعد كل التوترات وصراعات الوكالة وخطر نشوب حرب نووية التي ميَّزت العلاقة بين موسكو والغرب على مدار عقود، أصبح كل طرف –خصوصاً منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991- يعرف ما يمكن أن يتوقعه تقريباً. فكلا الطرفين كان لديه قدرٌ يسير من الثقة بأنَّ الآخر سيتصرف بطريقة معقولة يمكن التنبؤ بها، بحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية.

لكنَّ إيفان كوريلا، الخبير في العلاقات الأميركية-الروسية، يقول إنَّ الحالة المتقلِّبة لعلاقات روسيا مع العالم الخارجي اليوم، والتي فاقمها الهجوم بغاز الأعصاب على عميلٍ سابق يعيش في بريطانيا، يجعل المناخ الدبلوماسي للحرب الباردة يبدو مُطمئناً بالمقارنة مع المناخ الحالي، ويعيد إلى الأذهان فترة انعدام الثقة التي سادت في أعقاب الثورة البلشفية عام 1917 وتسبَّبت في حالة من الشلل.

وأضاف كوريلا، للصحيفة الأميركية: “إذا كنت تبحث عن أوجه الشبه مع ما يحدث الآن، فليست الحرب الباردة هي ما يمكنها تفسير الأحداث، بل أول نظام ثوري في روسيا”، الذي اغتال معارضيه في الخارج بانتظام.

وقال إنَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليست لديه أي مصلحة في نشر أيديولوجيا جديدة والتحريض على ثورة عالمية، بعكس البلاشفة الأوائل، لكنَّ روسيا تحت حكم بوتين “أصبحت نظاماً ثورياً من حيث العلاقات الدولية”.

” أميركا هي أول من قلبت المعايير”

ومن وجهة نظر الكرملين، الولايات المتحدة كانت هي أول مَن قلبت المعايير السابقة، حين سحب الرئيس جورج بوش الابن في 2002 الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، وهي معاهدة مهمة تعود إلى حقبة الحرب الباردة.

وقال كوريلا إنَّ روسيا ليست معجبة بقواعد النظام الذي ساد منذ ذلك الحين وتهيمن عليه الولايات المتحدة، و”ترغب في تغييرها”، بحسب الصحيفة الأميركية.

ومع ذلك، كانت إحدى القواعد التي تبنَّتها روسيا باستمرار هي مبدأ المعاملة بالمثل، وبعد تقييم حجم الضرر الذي لحق بالسلك الدبلوماسي الروسي في الخارج، سيرد بطرد دبلوماسيين غربيين من روسيا، كما قال ذكر الكريملين.

وبحث البرلمان الروسي الأمر أيضاً، وأخبر نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية فيه أليكساي شيبا وكالة إنترفاكس للأنباء أنَّ روسيا لن تخضع للـ”حرب” الدبلوماسية الغربية. وقال إنَّ روسيا “لن تدعهم يكيلون لها الضربات، وكلما اشتدت محاولاتهم لترهيبنا، كان ردنا أقسى”.

حين طردت بريطانيا 23 دبلوماسياً روسياً في مارس/آذار رداً على هجوم غاز الأعصاب الذي وقع في مدينة سالزبوري في إنكلترا، لم تطرد موسكو عدداً مماثلاً وحسب، بل أمرت أيضاً بإغلاق المجلس البريطاني، وهي منظمة تُروِّج للثقافة واللغة البريطانية.

وفي حين تنفي روسيا أي دورٍ لها في تسميم الجاسوس السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في 4 مارس/آذار –كليهما لا يزالا في حالةٍ حرجة في المستشفى- راكمت روسيا في السنوات

“سجل روسي حافل”

الأخيرة سجلاً طويلاً من الاستخفاف بالقواعد الدولية، لاسيما بضمها شبه جزيرة القرم في 2014، وهي المرة الأولى التي يُعاد فيها رسم الحدود الأوروبية بالقوة منذ 1945، بحسب الصحيفة الأميركية.

كان الهجوم على سكريبال سابقةً أولى أخرى، على الأقل وفقاً لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، التي أدانت العمل باعتباره “أول استخدام عدواني لغاز أعصاب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية”.

وقالت كادري لييك، زميلة السياسة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، للصحيفة الأميركية إنَّها تشعر بالحيرة حيال هجوم غاز الأعصاب. فقالت إنَّها كانت تتوقع أن يتراجع بوتين –الذي فاز بولاية رابعة في 18 مارس/آذار بفارق كبير- عن إثارة الاضطرابات في ما يُفتَرَض بموجب الدستور أن تكون آخر ست سنوات له في السلطة.

وأضافت إنَّ بوتين ربما لا يمكن التنبؤ به، لكنَّه عادةً ما يتبع ما يعتبره هو منطقاً واضحاً إلى حدٍ ما، وإن لا يثير الاضطرابات لمجرد المتعة، بل لأنَّه بوتين ولأنَّه يستطيع إثارتها”.

وفي كل مرة اتُّهِمت فيها روسيا بالضلوع في أعمالٍ مثل الاستيلاء على مباني الحكومة الأوكرانية في القرم أو إسقاط طائرة ركاب ماليزية فوق شرق أوكرانيا –أسفرت عن مقتل نحو 300 شخص- كانت موسكو ترد بمزيجٍ من النفي الشرس الذي ينطوي على شفقة على الذات ونظريات المؤامرة المُنمَّقة التي تلقي بالمسؤولية بعيداً عنها، بحسب الصحيفة الأميركية.

وفي حالة التسميم التي وقعت في سالزبوري، أصبحت إنكارات روسيا مُتكلِّفة وغريبة لدرجة أنَّ وسائل الإعلام التي تديرها الدولة حظت بوقتٍ عصيب لمواكبتها.

من طور غاز الأعصاب؟

بعد نفي المسؤولين لأي دور روسي وإصرارهم على أنَّه لا روسيا ولا الاتحاد السوفييتي كان لهما دور في تطوير غاز الأعصاب نوفيشوك الذي حدَّدته بريطانيا باعتباره المادة التي استُخدِمت ضد سكريبال وابنته، نشرت وكالة أنباء تسيطر عليها الدولة مقابلة مع عالمٍ روسي قال إنَّه ساعد في تطوير نظام أسلحةٍ كيماوية يُدعى نوفيشوك 5. وعدَّلت الوكالة لاحقاً هذا، وحل بدلاً من تصريحات العالِم عن نوفيشوك تأكيدٌ على أنَّ “برنامج تطوير الأسلحة الكيماوية السوفييتية لم يكن يُطلَق عليه ‘نوفيشوك'”، بحسب الصحيفة الأميركية.

لكنَّ فلاديمير إنوزمتسيف، الباحث الروسي في المعهد البولندي للدراسات المتقدمة في وارسو، قال إنَّ محاولة اغتيال سكريبال على الأراضي البريطانية “كانت القشة التي قصمت ظهر البعير”. وأضاف أنَّ “قادة الغرب أخيراً قرَّروا أنَّ الكيل قد فاض” لأنَّ موسكو مارست لعبة النفي مراتٍ كثيرة ولم تُظهِر أي اهتمامٍ حقيقي بإثبات الحقيقة.

وأضاف أنَّه بعكس القادة السوفييت أثناء الحرب الباردة، لا يتبع بوتين أيديولوجيا أو قواعد ثابتة، بل إنَّه مستعدٌ لانتهاج أي “سياساتٍ ضارية”، مهما كانت محظورة، قد تساعد في “تقويض النظام القائم في أوروبا”، بينما يُصرّ على أنَّ روسيا هي الضحية، وليست الجاني، بحسب الصحيفة الأميركية.

وحينما اقترحت الأمم المتحدة في 2015 إنشاء محكمة دولية للتحقيق في كارثة سقوط الرحلة 17 التابعة للخطوط الجوية الماليزية، التي كانت قد سقطت قبل ذلك بسنة في الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون الذين تُسلِّحهم روسيا في شرق أوكرانيا، استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لعرقلة الخطوة، وكانت هي العضو الوحيد في المجلس الذي عارض التحقيق.

وقال إيان بوند، وهو دبلوماسي بريطاني سابق في موسكو يتولى الآن منصب مدير السياسة الخارجية بمركز الإصلاح الأوروبي في لندن، إنَّ نفي روسيا الذي لا يمكن تصديقه في كثيرٍ من الأحيان جعلها “تبدو كالصبي الكذاب”.

وأضاف: “إن واصلت تقديم نظريات المؤامرة، في النهاية سيتساءل الناس عمَّا إذا كان ما تقوله مجرد نفي روسي مجنون آخر”.

وقال بوند إنَّ الدبلوماسية في أثناء الحرب الباردة كانت تميل إلى اتباع روتينٍ منتظم نسبياً، حتى وإن تضمَّنت أعمالاً عدائية. وأضاف أنَّ الأمر لم يعد كذلك، مشيراً إلى أنَّ السفارة الروسية في لندن ووزارة الخارجية الروسية في موسكو أصدرتا بياناتٍ وتغريدات تسخر من بريطانيا وتصفها بأنَّها قوة عاجزةً لم تعد قوية، وتهزأ بعملية التسميم التي وقعت في سالزبوري واصفةً إياها بأنَّها الواقعة “التي تُدعى قضية سيرغي سكريبال”، بحسب الصحيفة الأميركية.

وأضاف بوند أنَّ الرئيس بوتين “لا يحاول التحريض على ثورة دولية، لكنَّه مثير الاضطرابات الأكبر”، ويستمتع بوضع الحكومات الأجنبية في مآزق باستخفافه بالمعايير السائدة.

صدمة روسية

في حين أنَّ روسيا ربما تكون قد فُوجِئت بحجم عمليات الطرد المُنسَّقة من جانب حلفاء بريطانيا يوم 26 مارس/آذار 2018، فمن الواضح أنَّها كانت تتوقع شيئاً ما. فقبل ساعات من إعلان طرد الدبلوماسيين، بدأت بالهجوم.

إذ نشرت ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية رسالةً على موقع فيسبوك تسخر فيها من الاتحاد الأوروبي لإظهاره تضامنه مع بريطانيا في وقتٍ تناقش فيه بريطانيا الانفصال عنه. وكتبت أنَّ بريطانيا “تستغل عامل التضامن لفرض أفعالٍ معينة على أولئك الذين ما زالت علاقاتهم مع روسيا متدهورة”، بحسب الصحيفة الأميركية.

بينما أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تقاربٍ نادر مع بوتين ورَفَع سقف التوقعات بتحسُّن العلاقات، كان بوتين دائماً أكثر تروِّياً. وبدا أنَّ عدم الثقة الكامن قد تعزَّز حين قال أناتولي أنطونوف، السفير الروسي لدى الولايات المتحدة، لوكالة إنترفاكس الروسية للأنباء إنَّ “ما تفعله الولايات المتحدة حاليَّاً هو تدمير لكل ما تبقى في العلاقات الروسية الأميركية”.

وبحسب نيويورك تايمز فإنه على الرغم من عدم القدرة على التنبؤ بتصرُّفات روسيا تحت قيادة بوتين، لا يبدو أنَّ احتمال نشوب نزاعٍ نووي بين الروس والغرب -وهو أكثر الجوانب ترويعاً من الحرب الباردة- قد ازداد. وما زالت اتفاقيات الحد من التسلُّح التي تم التوصُّل إليها في السبعينيات تحظى باحترامٍ، ما عدا معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية المُبرمة عام 1972، والتي انسحب منها جورج بوش الابن بعد 30 سنة من إقرارها.

وترى موسكو أنَّ قرار بوش -الذي عارضه حتى بعض حلفاء الولايات المتحدة- فتح الباب أمام تصرُّف الجميع وفق هواهم في العلاقات الدولية، مما جعل الولايات المتحدة وروسيا تكافحان لاستعادة الثقة التي أوجدها الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ريغان مع الزعيم السوفيتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف في ثمانينيات القرن الماضي.

وفي خطابٍ ألقاه بوتين عن حالة الأمة في شهر فبراير/شباط، كشف النقاب عمَّا وصفه بجيلٍ جديد من الصواريخ النووية طويلة المدى التي “لا تُقهر”، لكنَّه لاحقاً في لقاءٍ مع هيئة الإذاعة الوطنية الأميركية (إن بي سي) ألقى باللوم على واشنطن لأنَّها دفعت موسكو إلى سباق تسلُّح جديد بتجاهلها للوضع الراهن الذي كان قائماً إبَّان الحرب الباردة.

وقال بوتين آنذاك: “إذا تحدثت عن سباق التسلُّح، فقد بدأ حين انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية”.

وقال كوريلا، المؤرخ الروسي، إنَّ بريطانيا ودولاً أوروبية أخرى واجهت أعمال موسكو المثيرة للاضطرابات في عشرينيات القرن الماضي، لكنَّها “لم تكن تعرف كيف ترد عليها آنذاك، واستغرقت معرفة كيفية التعامل مع موسكو 10 سنوات أو أكثر”، بحسب الصحيفة الأميركية.

إذ شهدت بريطانيا -القوة العظمى آنذاك وأول دولةٍ تعترف بالاتحاد السوفيتي- واقعةً مشابهة في ذلك الوقت لما يحدث حاليَّاً. إذ اعترفت بالحكومة البلشفية الجديدة في عام 1924، لكنَّها طردت دبلوماسيين سوفييتاً لاحقاً، وأغلقت سفارتها بعد ثلاث سنوات بعدما اكتشفت الشرطة آنذاك ما ذكرت أنَّه مجموعة جواسيس روس عازمون على نشر الفوضى.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top