“لم يكن من المفترض أن يسلك التاريخ هذا المنحى”، هكذا بدأت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية تقريرها، الذي خلص إلى أن النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية يتعرض حالياً للهجوم من القوى التي أنشأته، مستندة بذلك لعدد من المشاهد السياسية والاقتصادية التي تحدث في العالم.
ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، أنشأت الدول الغربية المنتصرة مؤسساتٍ كان منها حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التجارة العالمية، بهدف إلى الحفاظ على السلام بالقوة العسكرية الجماعية والرخاء المشترك. وروجت تلك الدول للمُثُل الديمقراطية والتجارة الدولية، بينما كانت تستثمر في المفهوم القائل بأنَّ الائتلافات هي البديل المناسب للقومية المدمرة.
لكن الآن، يبدو أنَّ النموذج الذي سيطر على الشؤون الجيوسياسية لأكثر من 70 عاماً صار هشاً، إذ تتحدى موجة من النزعة القومية مبادئه، وتتعرض مؤسساته لهجومٍ من بعض القوى التي شيدتها في الأصل، بالأخص من الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب.
بدلاً من معالجة المشكلات المجتمعية بصورةٍ مشتركة، بدايةً من النزاعات التجارية إلى الأمن وتغير المناخ، اكتسبت المصالح الوطنية الأولوية. وطغت نداءات التضامن القبلي الغاضبة على لغة التعاون متعدد الأطراف، وتُحرك المخاوف الاقتصادية تلك النداءات.
وقالت أماندين كريسبي عالمة السياسة في جامعة بروكسل الحرة ببلجيكا: “ما رأيناه هو نوعٌ من رد الفعل العكسي تجاه الديمقراطية الليبرالية. تشعر الجماهير بأنَّها لم تُمثَّل تمثيلاً صحيحاً في ظل الديمقراطية الليبرالية”.
حتى مع استهداف القوميين للعولميين (مؤيدي الاتجاه العولمي)، يبقى شكل العلاقات الدولية في نهاية المطاف سؤالاً مطروحاً. وكدليلٍ على تفاؤل المستثمرين بأنَّ المحادثات قد تحول دون حدوث حربٍ تجارية بين الولايات المتحدة والصين، انتعشت الأسواق انتعاشاً هائلاً يوم الإثنين. لكنَّ الولايات المتحدة وكندا ودولاً أوروبية أخرى طردت دبلوماسيين من الروس تضامناً مع بريطانيا بشأن تسميم مُنشق روسي في لندن، مما عزز الآمال في استمرار التحالفات القديمة.
ترامب أبرز المهاجمين
لا يزال الغضب الشعبي من مراكز السلطة التقليدية عنيفاً في العديد من البلدان، وكان انتخاب ترامب أكثر مظاهره قوة. فقد حصل ترامب على تفويضٍ لمهاجمة التحالف العالمي ومؤسساته المقدسة، باسم إعادة تأكيد السيادة الأميركية، مما أثار الشكوك في الالتزام الأميركي تجاه حلف الناتو، بينما رفض منظمة التجارة العالمية بوصفها “كارثة”.
أما داخل البيت الأبيض الذي يشوبه الاضطراب، فقد أثبتت الأسابيع الأخيرة أنَّ القوميين صاروا يُمسكون بزمام الأمور، بدلاً من نظرائهم العولميين القليلين. واستقال غاري كوهن خريج غولدمان ساكس الذي قدم المشورة لترامب حول السياسة الاقتصادية، بينما اكتسب بيتر نافارو المستشار التجاري المناهض للصين بشدة نفوذاً أقوى. ومنذ ذلك الحين، أثار ترامب خصومة الحلفاء الأساسيين بفرضه تعريفاتٍ جمركية على الصلب والألومنيوم، مما أثار شبح حربٍ تجارية مع الصين.
لكنَّ الولايات المتحدة بعيدةٌ كل البعد عن كونها القوة الوحيدة التي تمزق أسس نظام ما بعد الحرب.
فبريطانيا تخلَّت عن الاتحاد الأوروبي، وأدارت ظهرها للمشروع الذي يعد وجوده تعبيراً عن الإيمان بأنَّ الاندماج يُثبط العداوة، وفي إيطاليا صعد حزبان سياسيان شعبويان يشجعان العداوات التاريخية ضد التحالف.
وكبلت بولندا وهنغاريا -اللتان اعتُبرتا في السابق انتصاراتٍ للديمقراطية أينعت وسط بيئة ما بعد الاتحاد السوفيتي- وسائل الإعلام، وتوقفتا عن حضور التجمعات العامة، وهاجمتا استقلال أنظمة محاكمهما.
أدت عودة ظهور الدوافع الاستبدادية من وجهة نظر الصحيفة الأميركية إلى إضعاف التوجه المركزي للسياسة الأوروبية منذ نهاية الحرب الباردة، فقد كان من المفترض أن يؤدي توسيع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي بضم دول أوروبا الشرقية إلى دفع القادمين الجدد إلى تبني القيم الديمقراطية الليبرالية لزملائهم الأعضاء، لكنَّ الأمور سارت بطريقةٍ مختلفة.
استغلت الصين قوتها الاقتصادية -التي تعزَّزت بانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001- لتعزيز سلطتها التي ما زال يسيطر عليها الحزب الشيوعي، وقلص هذا أيضاً الآمال بأنَّ اندماج الصين في الاقتصاد العالمي سيؤدي إلى تبنيها اتجاهاً ديمقراطياً.
ومنذ ذلك الحين، عملت روسيا التي انضمت إلى المنظمة في عام 2012 على تعزيز سياسةٍ خارجية تركز على المواجهة.
بالنسبة لأي شخص لا يزال يميل إلى الاعتقاد بأنَّ الديمقراطية الليبرالية هي ثمرة حتمية للتقدم البشري، وهي النتيجة التي سارعت إليها مؤسسات ما بعد الحرب، قدمت هذه الأحداث نظرة أكثر تعبيراً عن الواقع.
أسباب هذا التغيير
ترصد الصحيفة الأميركية أسباب هذا التحول، حيث إنها تختلف من بلدٍ إلى آخر، لكن هناك عنصراً واحداً مشتركاً، وهو عدم ثقة الجمهور في المؤسسات وسط شعوره بأنَّها تخلت عنه.
ففي الولايات المتحدة وبريطانيا، عانت العمالة من البطالة وتراجُع مستويات المعيشة، بينما وضع الزعماء السياسيون سياساتٍ تصب في مصلحة النخبة؛ مثل عقد المزيد من الصفقات التجارية، وتقليل القيود على البنوك. وعززت التجارة اقتصاد هذين البلدين، لكن تلك المكاسب لم تطل الأشخاص العاملين.
وحتى في الوقت الذي انتهكت فيه الصين قواعد التجارة، ودعمت الشركات المملوكة للدولة، وسرقت الابتكارات من المستثمرين الأجانب، رفعت التجارة عبر المحيط الهادئ من قيمة الاقتصاد الأميركي. لكنَّ القادة الأميركيين فشلوا في توفير التدريبات وغيرها من البرامج التي ربما كانت ستساعد على تخفيف الضرر الواقع على المجتمعات التي تأثرت سلباً من الواردات.
أما عن الأسباب الأخرى، فقد تضافرت التهديدات الاقتصادية مع تنامي النزعات القومية لتضخيم العداء تجاه مراكز القوى.
ففي بولندا والمجر وبريطانيا وإيطاليا، يعكس عدم الثقة في الاتحاد الأوروبي غضب الجماهير من سياسات الهجرة الليبرالية، وتدفق الناس من البلدان الإسلامية. وفي الولايات المتحدة، حظي ترامب بدعم أولئك الذين يميلون إلى إلقاء اللوم على المهاجرين بسبب البطالة، وعلى المسلمين بسبب التهديدات الأمنية.
وتؤكد شعارات ترامب “اجعل أميركا عظيمةً مرة أخرى” و”أميركا أولاً” تخليه عن التزام بلاده المعتاد بالمُثُل الجماعية.
فعندما تجاوز قواعد منظمة التجارة العالمية، الأسبوع الماضي، بفرض رسوم جمركية على نحو 60 مليار دولار من الواردات الصينية، عزَّز ترامب ازدراءه لمبدأ التعددية، باعتباره مذهب الجبناء المرهفين. ويبدو أنَّه يوافق على الفكرة القائلة بأنَّ الولايات المتحدة، التي يُعتبر اقتصادها أكبر اقتصادٍ على وجه الأرض، يجب أن تلاحق دون هوادة مصلحتها الذاتية، وتتحرر من القيود مثل التقديس الساذج لقواعد النظام التجاري العالمي.
وقالت كريسبي من جامعة بروكسل الحرة: “كان يُنظر إلى الولايات المتحدة على الدوام باعتبارها قوة لتحقيق الاستقرار في نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. من منظورٍ أوروبي، تأتي الصدمة من حقيقة أنَّ الولايات المتحدة تُعتبر الآن قوةً مزعزعة للاستقرار مثل روسيا، ومن المفارقات أن تجعل أميركا دولةً مثل الصين تبدو أكثر اعتدالاً”.
حتى صندوق النقد الدولي قد تعرَّض منذ فترةٍ طويلة لانتقاداتٍ بأنَّه يلبي احتياجات الطبقة المستثمرة، في حين يفرض التقشف على الناس العاديين في البلدان المتضررة من الأزمات. فيما لم تمنع الإدانات الديمقراطية الغرب من دعم الأنظمة الاستبدادية، سعياً لتحقيق أهدافه الاستراتيجية الخاصة.
وترى الصحيفة البريطانية أنه إذا كانت العدالة في النظام الليبرالي مثيرة للجدل، فإنَّ قدرتها على البقاء تبدو الآن محل تساؤل.