لا ينتظر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية في موعدها المحدد لها رسمياً. فلم يكن يواجه سوى منافس واحد غير معروف تقريباً على مدار أيام التصويت الثلاثة، التي بدأت في السادس والعشرين من مارس/آذار.
المؤشرات الأولية في وسائل الإعلام الحكومية تشير إلى فوز السيسي بفترة رئاسية ثانية بنسبة 92% من الأصوات. بينما حقق خصمه موسى مصطفى موسى 3% فقط من الأصوات.
وأطلقت وسائل الإعلام المحلية على ما جرى في الأيام الثلاثة وصف “عُرس” مصر الديمقراطي، ولكن البعض يرى فيما حدث “زواجاً مدبراً”.
وأيا كان الموقف فإن النتيجة هي أن السيسي سيبدأ خلال أيام ولايته الثانية بتحديات أساسية في المشهدين السياسي والاقتصادي.
أول التحديات ربما يمكن اقتباسها من لغة الأرقام التي تتعلق بأيام الانتخابات.. فالفوز الساحق الذي أراده السيسي لم يتحقق تماما، بحسب تقرير لصحيفة الإيكونوميست البريطانية. فإذا أخذنا في الاعتبار ما نشرته صحيفة الأهرام المصرية الحكومية من أنَّ 25 مليون شخص أدلوا بأصواتهم في الانتخابات فإن هذا يعني، أن حوالي 42% فقط من الناخبين المسجلين في كشوف الانتخابات المصرية أدلوا بأصواتهم.
ومن الملاحظ أنَّها نسبة أقل من نسبة المشاركة في انتخابات 2014 التي وصل فيها السيسي للمرة الأولى إلى الحكم، والتي وصلت إلى 47%. فيما أبطل أكثر من مليون مصري أصواتهم، وهو عدد يصل تقريباً إلى ضِعف عدد الأصوات التي حصل عليها موسى.
بحلول ظهيرة الجمعة، توقفت وسائل الإعلام الحكومية عن الحديث عن الأصوات الباطلة، وأعلنت فوز السيسي بنسبة 97% من الأصوات الصحيحة.
أطلق حلفاء السيسي من المسؤولين الحكوميين وعودا، بدت للبعض غريبة، لحث المصريين على التصويت حيث وعدت نادية عبده محافظ البحيرة، بمد الصرف الصحي إلي القري الأكثر تصويتا في الانتخابات وكانت هناك أجواء احتفالية خارج الكثير من اللجان الانتخابية، ومجموعات من النساء يلوحن بالعلم المصري و يرقصن على إيقاع الأغاني الوطنية.
لكن ذلك لم يكن اندفاعاً طبيعياً وراء الحماسة الوطنية. فعلى الأقل بعض هؤلاء النساء وظفهن رجال أعمال أغنياء عبر عروضٍ على موقع فيسبوك، مقابل 150 جنيهاً مصرياً (9 دولارات أميركية) لليوم واحد.
وفي محافظةٍ أخرى هي القليوبية ، عُرِضَ على السكان المشاركة في سحب على رحلات حج مجانية إلى مكة، فقط إذا بلغت نسبة المشاركة 40%.
وفي آخر أيام التصويت، هددت اللجنة العليا للانتخابات بتطبيق قانون يفرض غرامة قدرها 500 جنيه مصري على كل من تخلَّف عن المشاركة.
لا صوت للإرهاب يعلو فوق صوت “المعركة الانتخابية”
الأمر الإيجابي الذي رافق ما سمي بالعرس الديموقراطي هو أنَّ عملية التصويت مرت بسلام. إذ حذرت ولاية سيناء الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المصريين من التصويت، وحثت مقاتليها على شن الهجمات. وقبل يومين من الانتخابات انفجرت قنبلة في محافظة الإسكندرية، أسفرت عن مقتل اثنين وإصابة خمسة، لكنَّها أخطأت هدفها الحقيقي وهو مدير أمن المحافظة الذي كان موكبه يمر بالمنطقة.
لكن ذلك الهجوم كان الأول على مدينة مصرية منذ أمر السيسي بشن الحملة العسكرية ضد الإرهاب في سيناء في فبراير/شباط 2018. ومرت الأيام التالية بهدوء، ويرجع ذلك جزئياً إلى الانتشار الهائل لرجال الجيش والشرطة في معظم المدن المصرية خلال فترة الانتخابات .
تحديات الولاية الثانية :الإرهاب والاقتصاد والزمن
وتبقى داعش رغم ذلك أحد أهم التحديات التي تنتظر السيسي في فترته الانتخابية الثانية، بينما يمثل الاقتصاد تحدياً آخر. فقد قام على مدار الأشهر الثمانية عشر الماضية بخفض قيمة العملة، ورفع الدعم المهدر على الوقود والطعام. تأخر اتخاذ مثل تلك الخطوات التي ساعدت على استقرار الاقتصاد، الذي كان في حالةٍ من التدهور المستمر منذ عام 2013 والاطاحة بحكومة الإخوان المسلمين.
ولكن معركة الإرهاب ليست بالأمر السهل على الرغم من الحرب التي شنتها مصر تحت عنوان سيناء 2018، فقد انتهى الكلام عنها في الإعلام المصري من دون ما يشير إلى حسم تام لهذا الملف، الذي يبدو أنه يحتاج لسنوات أكثر من فترة رئاسية ثانية متبقية للرئيس المصري.
والدستور الحالي يلزم السيسي بترك الحكم بعد أربعة أعوام من الآن، عام 2022، لذا عليه أن يُقرر ما إذا كان سيُطبق ذلك، أو سيضطر إلى تعديل الدستور وخاصة فيما يتعلق بمد بقاء
الرئيس مثلما اقترح بعض مؤيديه بالفعل، ومنهم الإعلامي المعروف عماد الدين أديب
من جهة أخرى يرى البعض أن ملف الإرهاب “غير دقيق” وأن النظام في مصر يستخدمه لفرض نوع من قمع المعارضة، وهذا ما ذهبت إليه مجلة النيويوركر الأميركية التي أجرت مقابلاتٍ مع نشطاء حقوقيين مصريين في القاهرة في وقت سابق من الشهر الجاري. وفي هذه المقابلات، اشتد النشطاء في نقدهم لترامب لدعمه السيسي في حملته الانتخابية، حيث قال أحمد ماهر، أحد قيادات ثورة عام 2011 التي أطاحت بحسني مبارك: “ترامب أحمق”. وقد أُطلِقَ سراح ماهر العام الماضي من السجن بعد أن قضى ثلاثة أعوام من الحبس الانفرادي على خلفية إدانته بالتظاهر غير القانوني. ولم يكن الإفراج عن ماهر إلا جزئياً، فعلى مدار العامين القادمين، سيكون على ماهر المبيت في أحد أقسام الشرطة كل ليلة، من السادسة مساءً وحتى السادسة صباحاً. وقال ماهر: “هذا الوقت أصعب من زمن مبارك. لا أستطيع أن أقرِّر ما إذا كانت الأمور ستسير إلى الأفضل أم الأسوأ، وإن كنت لا أظن أنها ستسير نحو الأفضل”.
أما ماهينور المصري، المحامية الحقوقية التي تم الإفراج عنها من السجن في يناير/كانون الثاني الماضي، بعد أن قضت عقوبة مدتها شهرين للتظاهر غير القانوني، فقد نعتت ترامب بـ”المجنون” الذي “يجعل الأمور أسوأ في العالم بأسره”، مضيفة أن السيسي “لن يتوقَّف أبداً عن ممارسته، وخصوصاً في ظل وجود رجلٍ كترامب في سدة الحكم في الولايات المتحدة”.
ويقول نشطاء ديمقراطيون إن السيسي يستخدم الخوف من داعش او الإرهاب لقمع أي معارضة في مصر. وفي هذا الصدد قالت ماهينور: “السيسي أقنع الناس أن المعركة بين طرفين فقط؛ وبذلك فهم يعتقدون أنهم إن لم يكونوا مع السيسي فإنهم مع الإرهاب”. فيما قال ستيفين كوك، عضو مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، إن كلاً من ترامب والسيسي يستخدمان تهديد الإرهاب للاستحواذ على السلطة وقمع أي احتجاج. وقال كوك: “ترامب أطلق يد السيسي؛ وانتخابه في باكورة عهد ترامب”.
التحدي الثاني : الاقتصاد يترنح ام يستعيد عافيته ؟
التحدي الأمني وربما الأهم على أجندة السيسي في ولايته الثانية هو تحسين الوضع الاقتصادي. وقد قال الرئيس المصري أثناء استقباله مؤخرا رئيس أركان الجيش الباكستاني إن الجهاد الحقيقي هو “تحسين أحوال معيشة الناس”. فهل سينجح من جهاده من أجل الشعب المصري الذي يقترب عدد سكانه من ١٠٠مليون نسمة؟
وكالة بلومبيرج الأمريكية تبدو متفائلة بشأن مستقبل الاقتصاد المصري في عهد السيسي حيث نشرت تقريرا يقول إن تعاملات مصر المالية مع العالم الخارجي صارت أكثر استحساناً؛ إذ ساعدت الإصلاحات الاقتصادية والدفعة القوية في مكافحة الإرهاب في إدخال مزيدٍ من الاستثمارات إلى أكبر اقتصاديات شمال أفريقيا.
فقد ذكر البنك المركزي المصري على موقعه على شبكة الإنترنت أن العجز في حساب الدولة الجاري، والذي يتضمن تداول السلع والخدمات وكذلك التحويلات المالية، انخفض بمعدل 64% ليصل إلى 3.4 مليار دولار في الفترة ما بين يوليو/تموز وديسمبر/كانون الأول 2017.
ويرجع هذا التحسُّن بشكلٍ أساسي إلى التحسُّن في عائدات السياحة وتحويلات المصريين من الخارج، في الوقت الذي شهدت فيه الصادرات نمواً متوسطاً.
وتقول الاقتصادية ريهام الدسوقي من القاهرة: “هذا تطورٌ إيجابي، وإن كان متوقعاً؛ إذ أن الإصلاحات الاقتصادية التي يتم تنفيذها في مصر قد ركَّزَت بشكلٍ عام على القضايا المالية والنقدية”. وأضافت: “لتعزيز الصادرات بشكل أكبر، نحتاج إلى توجيه مزيدٍ من التركيز إلى محاربة البيروقراطية وتحسين مناخ الأعمال”.
وتشير الأرقام إلى أن الاقتصاد المصري بدأ يجني ثمار الإجراءات التي تم إطلاقها في نوفمبر/تشرين الثاني، والتي تضمَّنَت رفع القيود عن العملة وزيادة الضرائب وخفض الدعم عن الوقود.
وبحسب المجلة فانه من المُتوقَّع أن يُمهِّد فوز السيسي في الانتخابات الطريق أمام تغييرات مالية إضافية تتسق مع البرنامج المدعوم من صندوق النقد الدولي.
وقد ارتفعت عائدات السياح بحسب بلومبيرج إلى حوالي 5 مليارات دولار أميركي، بعد أن كانت ملياراً ونصف المليار دولار أميركي، في تحوُّلٍ درامي لقطاعٍ أساسي تضرَّر في أعقاب تفجير طائرة روسية في العام 2015 ومقتل كل من كان على متنها. كما أن تضاعف سعر الدولار مقابل الجنيه نتيجة تعويم العملة أضاف عاملاً تنافسياً إلى البلاد كوجهةٍ للسياح.
المشهد ليس بهذا الإشراق
كما أن تدفُّق صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة يُسلِّط الضوء على الطبيعة المُتقلِّبة لتدفُّق الاستثمارات ويشير إلى تحديات خلق وظائف جديدة وتعزيز الإنتاجية. وحسب بيانات البنك المركزي المصري، فإن صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة انخفض ليصل إلى 3.8 مليار دولار بعد أن كان 4.3 مليار دولار قبل عام، مع تعويض قطاع النفط والغاز لكتلة التدفُّقات.
وتقول ريهام الدسوقي: “يحتاج المستثمرون الأجانب إلى رؤية تغيير حقيقي في طبيعة سير الأعمال في مصر. لا أتوقَّع تحسُّناً كبيراً على هذا الصعيد قبل نهاية العام الجاري، لذا فإن الإصلاحات الجاري تنفيذها ستظل تراوح مكانها”.
ومع ذلك، فإن الكثير من الاستثمارات التي دخلت البلاد قد تحوَّلَت إلى سوق الدين والبورصات. وقد ارتفع صافي التدفُّقات إلى أسواق رأس المال ليصل إلى 8 مليارات دولار بعد أن كان 213 مليون دولار في الفترة المماثلة من العام الماضي، حسب بيانات البنك المركزي المصري. وقد نتج هذا الارتفاع المفاجئ عن تدفُّق الدولارات في صورة سندات خزانة مرتفعة العائد.
وقد سنَّت مصر العام الماضي قوانين جديدة لمنح تراخيص الاستثمار والصناعة، في إجراءات يقول المسؤولون إن من شأنها تعزيز نشاط الأعمال المحلي والأجنبي في البلاد. وتأمل الحكومة أيضاً في أن يؤدي تنفيذ سلسلة من المشروعات الكبيرة، بما في ذلك العاصمة الإدارية الجديدة ومنطقة اقتصادية جديدة موازية لقناة السويس الجديدة، إلى تشجيع المزيد من الاستثمارات.