إسرائيل محصَّنة ضد المحاسبة.. فاتورة قتل الفلسطينيين بسيطة وغزة تنتظر الأيام الأصعب

“دعونا ندفن موتانا”.. عبارة تتردد في أعقاب كل تظاهرة.

هذه المرة شيَّع الفلسطينيون ضحياهم في قطاع غزة إلى مثواهم الأخير، بعد أن قتل الجنود الإسرائيليون ما لا يقل عن 16 فلسطينياً وأصابوا أكثر من 1000 متظاهر فلسطيني يوم الجمعة 30 مارس/آذار 2018.

لم تكن سوى تظاهرة، والمناسبة قديمة متجددة، ذكرى “يوم الأرض” الذي يوافق 30 مارس/آذار من كل عام.

ومثل كثير من التظاهرات الفلسطينية من قبلُ، كانت مسالمة وغير مسلحة. عائلات تخرج إلى قرب الحدود الإسرائيلية، تلوِّح بالأعلام الفلسطينية. ولكن، كما هو حال ما سبقها من احتجاجات، انتهت تلك التظاهرة بكثير من الدموع، على وجوه فلسطينية تتنازع ملامحها تعبيرات الحزن والصمود.

هذه الاحتجاجات التي تنتهي بحلول ذكرى النكبة في 14 مايو/أيار 2018، تتزامن مع “يوم الأرض”، وهو ذكرى مقتل 6 فلسطينيين برصاص القوات الإسرائيلية، في الثلاثين من مارس/آذار 1976، في مواجهات ضد مصادرة إسرائيل أراضي فلسطينية.

الاحتجاج سلمي والمتظاهرون عزّل من السلاح

الشيخ الفلسطيني فايق صباغ، أحدُ من شاركوا في تلك التظاهرات، حكى لصحيفة The Washington Post ما حدث: “اصطحبت حفيدي معي.. لقد خرجنا في احتجاج سلمي.. ذهبنا إلى هناك لنقول لهم إن هذه أرضنا، لكنّ ما لقيناه كان مختلفاً”.

ادّعت إسرائيل أنها أطلقت النار رداً على بعض المتظاهرين الذين اقتربوا من السياج الفاصل، وأحرقوا إطارات السيارات، ورشقوهم بوابل من الحجارة والزجاجات الحارقة. بينما أظهرت الصور المُلتقطة لذلك المشهد الفوضوي، أن الجنود الإسرائيليين استهدفوا المتظاهرين العزل من السلاح، ومن ضمنهم بعض من فرُّوا بعيداً؛ إذ أُطلقت عليهم الأعيرة النارية عن بُعد من قِبل قناصين، بحسب الصحيفة الأميركية.

نجل الشيخ فايق كان بين الضحايا.. شاب يبلغ من العمر 20 عاماً، اسمه بدر صباغ،  قُتل بعد وصوله بدقائق لمشاهدة التظاهرات. يقول شقيقه محمد لصحيفة واشنطن بوست: “لقد طلب مني سيجارة، أعطيتها له، ولم يكد يأخذ سوى نفَسين منها حتى أصيب في رأسه”.

لكنّ إسرائيل محصَّنة ضد المحاسبة

الصحيفة الأميركية وصفت هذه المجزرة، بقلم أحد كتّابها في تحليل موضوعي، بأنها “أسوأ أيام غزة عنفاً منذ حرب عام 2014 بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والجيش الإسرائيلي، والتي قُتل فيها -حسب تصريحات الأمم المتحدة- ما لا يقل عن 1462 مدنياً من الفلسطينيين. وقد كشفت المظاهرات التي اجتاحت العالم بعد ذلك، إلى مدى يتحرك بؤس الصراع الفلسطيني، والحصانة النسبية لإسرائيل ضد المحاسبة، ما يجعلها تتمادى في القضاء على حياة الفلسطينيين”.

تعجب المحلل Ishaan Tharoor، في مقاله، من أن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الحكومة الإسرائيلية اليمينية، لم يبدِ أي تعاطف أو ندم على ما حدث؛ إذ قال نتنياهو: “إن إسرائيل تعمل بحزم وتصميم على حماية سيادتها وأمن مواطنيها”. أما وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، فقد اعترض على المناشدات العالمية لإجراء تحقيق فيما حدث، وقال: “ليس هناك ما يدعو” لإجراء تحقيق في الحادث، مضيفاً أن الجنود الإسرائيليين الذين يحرسون السياج “يستحقون الثناء”.

القناصة أطلقوا الذخيرة الحية

غرَّد الجيش الإسرائيلي بأنه “يعرف إلى أين أُطلقت كل رصاصة”، لكنه حذف التغريدة بعد ذلك، غالباً بسبب مقاطع الفيديو التي تُظهر رصاصاتهم وهي تستقر في ظهور المتظاهرين السلميين.

قال أميت جيلوتز، المتحدث الرسمي باسم منظمة “بتسيلم”، وهي منظمة يسارية مقرها القدس، ترصد انتهاكات حقوق الإنسان داخل الأراضي المحتلة: “تلك هي النتائج المتوقعة من قيادة غير قانونية واضحة: إطلاق الجنود الإسرائيليين ذخيرة حية على متظاهرين فلسطينيين غير مسلحين”. وأضاف: “من المتوقع أيضاً، أنه لا أحد- بدايةً من القناصة في الميدان، وصولاً إلى كبار المسؤولين، الذين أدت سياستهم إلى تحويل غزة إلى سجن كبير- سوف يخضع للمساءلة”.

ورغم تصريح مسؤول كبير بالأمم المتحدة بأن الوضع في غزة “قد يتدهور خلال الأيام المقبلة”، وتحذير تاي-بروك زيرهون، نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، بأن “على إسرائيل أن تتحمل مسؤولياتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني. ويجب عدم استخدام القوة الفتاكة، مع قيام السلطات بإجراء التحقيقات المناسبة في أي حالات وفاة تنجم عن ذلك”، ورغم مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بتحقيق مستقل وشفاف في عمليات القتل والإصابات التي وقعت بغزة، والجلسة الطارئة لمجلس الأمن لبحث الوضع المتدهور في قطاع غزة- يتوقع الكثيرون أن إسرائيل ستفلت كالعادة.

وهكذا، فالقيادة الإسرائيلية “مطمئنة في تعدياتها الصارخة”، كما تقول الواشنطن بوست. وبينما جاءت الانتقادات الخارجية الأكثر صخباً، من إيران وتركيا، فمن المحتمل أن يكون هذا التوبيخ الذي وجهه هذان البلدان، مصدراً لنشوة نتنياهو أكثر منه داعياً للقلق.

وقد استطاعت إدارة ترمب منع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من إصدار بيان يدعو لإجراء “تحقيق مستقل وشفاف”، بينما أكدت حق الفلسطينيين في تنظيم الاحتجاجات السلمية.

 ترمب يثير غضب الفلسطينيين

ويرى المحلل Ishaan Tharoor أن إدارة ترمب ساعدت في إثارة الغضب الفلسطيني، مشيراً إلى اختيار البيت الأبيض هذا التاريخ لفتح سفارة واشنطن الجديدة في القدس، “تلك الخطوة التي أكدت للفلسطينيين، أنه لم يعد بالإمكان الوثوق بواشنطن كوسيط نزيه في عملية السلام المتوقفة منذ أمد طويل”. وذلك رغم تصريحات متعاطفة مع الفلسطينيين تصدر هنا وهناك، مثل تغريدة السيناتور الأميركي بيرني ساندرز التي قال فيها: “حتى الآن، لا يزال الوضع الإنساني في غزة كارثياً. لا بد أن تلعب الولايات المتحدة دوراً أكثر إيجابية لإنهاء حصار غزة، ومساعدة الفلسطينيين والإسرائيليين على بناء مستقبل مشرق للجميع”.

وأصدقاء الأمس أصبحوا أقرب لإسرائيل

في الوقت نفسه، لن يجدي الفلسطينيين كثيراً البحثُ عن المساعدة عند جيرانهم، كما تشير صحيفة الواشنطن بوست، فإن بعض القوى الإقليمية الرئيسية -وأبرزها مصر والمملكة العربية السعودية- كانت تحركاتها أكثر تقرباً من إسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية. وقد أصبح من الواضح، وعلى الرغم من أن المحرومين من الجنسية من الفلسطينيين يحصلون على تعاطف كبير من المواطنين في شتى أنحاء العالم العربي، فإن محنتهم تمثل مصدر إزعاج مزمن لبعض القادة العرب الأكثر حرصاً على قمع الأحزاب الإسلامية في بلادهم، أو الذين يواجهون النفوذ الإيراني بالخارج.

ولا معجزات على الأرض المقدسة

وفي حين يرى إيشان ثارور أنه يجب أن يُنظر إلى العنف الذي حدث يوم الجمعة 30 ملاس/آذار 2018، أيضاً، على أنه حلقة أخرى من الصراع الطويل على السلطة بين “حماس” والسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس- فإنه يؤكد أن الحصار المستمر والقيود المفروضة على قطاع غزة، أدت إلى خلق ظروف أكثر صعوبة على الفلسطينيين. فقد قال أحد المتظاهرين -والذي يبلغ من العمر 22 عاماً- يوم الجمعة: “أريد أن أُصاب بطلق ناري. فأنا لا أريد مثل هذه الحياة”.

ربما يأتي رد فعل إسرائيل العنيف على التظاهرات في صالح “حماس” دعائياً -كما تشير الصحيفة الأميركية- وتحذير من إراقة المزيد من الدماء في المستقبل. وقد كتب المحلل حسين ابيش، في صحيفة National، ومقرها أبوظبي: “إن لم يحدث تصعيد كبير للعنف -خاصة مع القادة الفلسطينيين الذين يلعبون بالنار لما أصابهم من يأس تام، ولجوء إسرائيل بشكل سريع إلى القوة القاتلة ضد المتظاهرين غير المسلحين- فسوف تكون هذه معجزة سياسية”. وأضاف المحلل: “إلا أن الأرض المقدسة نادراً ما تمنح مثل هذه المعجزات”.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top