المشكلة التي لا تنتبه إليها وسيدفع أطفالك ثمنها.. الشرق الأوسط في طريقه إلى عصر العطش

منطقة الشرق الأوسط -الغنية بالنفط والفقيرة بالماء- لا يوجد بها سوى 1% فقط من موارد المياه المتجددة الموجودة على سطح الأرض.

وقد زاد التغير المناخي والجفاف ونمو السكان الطلب على المياه في هذه المنطقة القاحلة، مما أجج الصراعات وعدم الاستقرار، وقد أصبح شح المياه بالنسبة للعديد من الدول قضية أمنٍ قومي.

هذا النقص في المياه  كان له دور في خلق احتجاجات الربيع العربي، حسب تقرير لصحيفة The Register Guard الأميركية، وقد يكون له دور أخطر في المستقبل إذا استمر الوضع الحالي.

مصر: ثورة من أجل الماء والخبز

عندما علت أصوات المتظاهرين، فإن المياه كان دافعاً خفياً يحركهم، ففي مصر كان العيش –أي الخبز– أحد مطالب الثورة.

وبالفعل، فإن مصر تعاني أزمة في القمح؛ إذ تستورد نسبة كبيرة من استهلاكها، وقد تعرَّض اقتصادها لهزة عام 2010 حين أدت الحرائق وموجات ارتفاع درجة الحرارة في روسيا، المصدر الرئيسي للقمح للقاهرة، إلى رفع أسعار الغذاء في مصر بنسبة 30%.

أضف إلى ذلك، إقدام حكومة الرئيس مبارك عام 2004 على خصخصة موارد المياه في البلاد؛ تنفيذاً لشرط أملاه البنك الدولي لمنح مصر قروضاً. وتأججت روح الثورة حين حولت الحكومة مسارات المياه لتصل إلى الأحياء الغنية، بينما أصبح الوصول إلى المياه في سائر أرجاء مصر أكثر صعوبة وتضاعف سعرها. لا غرو إذاً أن يطلق بعض المراقبين على ثورة مصر “ثورة العطاشى”، حسب تعبير الصحيفة الأميركية.

والآن، يشعر المصريون بالقلق أكثر مع إصرار إثيوبيا على استكمال سد النهضة على النيل الأزرق، المصدر الأهم لمياه النيل.

سوريا: أسوأ موجة جفاف منذ 500 عام

برقية سريّة صدرت عن السفارة الأميركية في دمشق عام 2008، أي  قبل 28 شهراً من تفجّر الحراك الشعبي بسوريا، نبهت إلى توقعات عبد الله بن طاهر يحيى، ممثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، بحصول هجرة جماعية من المناطق الشمالية الشرقية التي يضربها الجفاف في سوريا، ما قد يضاعف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية القائمة ويؤدي إلى تقويض استقرار البلاد.

فخلال تلك الفترة، باتت البلاد أكثر ضعفاً بعد أن ضربتها أسوأ موجة جفاف منذ 500 عام. كما تفاقم الوضع جراء فساد الحكومة وسوء إدارتها الموارد المائي،ة في تلف المحاصيل وما نتج عن ذلك من أزمة غذائية، حسب صحيفة The Register Guard .

وقد تلف ما يقرب من 75% من الأراضي الزراعية السورية في الفترة ما بين 2006 و2011، مما حدا بمليون ونصف مليون سوري إلى الهجرة للمراكز الحضرية. وقد فاقمت الهجرة من الريف إلى الحضر من أزمتي البطالة والفقر، اللتين أسهمتا في اندلاع ثورة عام 2011، التي أدت في نهاية المطاف إلى الحرب في سوريا.

العراق: بلاد الرافدين تسأل عن أنهارها

أينعت الحبوب في منطقة الهلال الخصيب، بلاد ما بين النهرين “دجلة والفرات”، وازدهرت المدن السومرية قبل 3900 عام من الميلاد.

واليوم في القرن الحادي والعشرين تعاني بلاد الرافدين نتائج بناء الجيران العديد من السدود على أنهارها، فحسب وزير الموارد المائية العراقي لطيف رشيد، فإن تركيا بنت عدة سدود على نهر الفرات، وكذلك في سوريا هناك سد واحد (سد الفرات) وخزان مياه (بحيرة الأسد)، بينما بنت إيران العديد من السدود على فروع نهر دجلة.  

وقال: “ليس هناك اتفاقيات بين العراق وتركيا وسوريا حول حصة محددة من المياه باستثناء اتفاقيات غير موثقة مع سوريا”، لأن العراق لم يكن مهتما بالاتفاقيات الاقليمية والدولية بخصوص حصص المياه التي يجب أن يحصل عليها.

وأوضح أن “مجموع ما يجب أن يدخل العراق من المياه، كان في السابق هو 27 مليار متر مكعب من المياه من نهري دجلة والفرات كحصة قانونية، أما الآن فيدخل تقريباً 11 مليار متر مكعب من المياه، أي ثلث الكمية السابقة”.

ليبيا: الناتو يدمر نهر القذافي العظيم

لعنات شح المياه دائماً ما صاحبت ليبيا، وفي محاولة للتغلب على ذلك، دشن الزعيم الليبي السابق معمر القذافي عام 1983، أحد أكبر مشروعات الري والهندسة في العالم، بهدف توصيل مياه الشرب والري إلى المدن والمزارع في أرجاء ليبيا، حسب The Register Guard.

وقد سرَّع اكتشاف خزان ضخم للمياه العذبة بخزانٍ جوفيٍّ في عمق الصحراء الكبرى -المعروف بشبكة المستودع الحجري الرملي النوبي- من تطوير منظومة الري الضخمة، التي أطلق عليها القذافي اسم مشروع النهر الاصطناعي العظيم.

وقد كانت شبكة الآبار والمواسير الجوفية الضخمة قد اكتملت بنسبة 70% حين تمت الإطاحة بالقذافي وبدأت القلاقل السياسية عام 2011.

ولكن الأمر الذي لا يمكن تفسيره، حسب الصحيفة الأميركية، إقدام طائرات الناتو على قصف منظومة مياه النهر الاصطناعي العظيم، وكذلك منشأة صنع المواسير بالبريقة، في شهر يوليو/تموز من عام 2011.

ووسط الفوضى التي عمت البلاد جراء الحرب الأهلية، لحق التلف بالمشروع، مما يهدد أغلبية سكان ليبيا، البالغ عددهم 6.4 مليون نسمة، بالتعرض لشح المياه.

إسرائيل: 100 عام من التخطيط  

حتى قبل تأسيس إسرائيل بنحو نصف قرن، كان مؤسسيو الصهيونية في القرن الـ19 يدركون أن حلمهم بإقامة وطن قومي مستقبلي في فلسطين لن يدوم إلا بالاستيلاء على جميع الموارد المائية بفلسطين وأجزاء من الأردن، ما كان يعني السيطرة على منابع منظومة مياه نهر الأردن، أي اليرموك وحتى نهر الليطاني في لبنان.

ويعد الاستيلاء على موارد المياه في مرتفعات الجولان السورية والضفة الغربية وغزة والتحكم فيها، سبباً رئيسياً للاحتلال الإسرائيلي، وتحقيقاً لتطلعات صهيونية قديمة.

ولن يكون من الممكن تحقيق السلام سوى بأن تتخلى إسرائيل عن السيطرة على نهر الأردن ومدخل البحر الميت وخزانات الضفة الجوفية الفياضة، حسب الصحيفة الأميركية.

فلسطين: عندما تكون المياه أداة للتهجير

في الضفة الغربية، لا يحق لأكثر من 200 ألف فلسطيني الوصول إلى منظومات المياه الموصلة بالمواسير. ولا يمكنهم كذلك، الحفر لاستخراج المياه، كما لا يمكنهم بناء أو إحياء أي هيكل مائي دون الحصول على تصاريح من قوات الجيش الإسرائيلي، وهو أمرٌ مستحيلٌ على أرض الواقع.

وتُحجَب المياه عن التجمعات الفلسطينية، وتحديداً في المناطق المخطط لإقامة مستوطنات عليها؛ لإجبار سكانها على النزوح منها. ولا يوجد إلا النذر اليسير من المياه الصالحة للاستهلاك الآدمي، فضلاً عن مياه الري لما بقي من الحقول الفلسطينية دون مصادرة.

إيران: سدود بلا حدود وبلا فائدة

سدود إيران -التي يربو عددها على الـ600- يمكن أيضاً أن تُسبب نزاعاً عبر الحدود. فمشروعات على شاكلة مشروع داريان، السد الضخم المقام على نهر ديالى -أحد روافد نهر دجلة- من شأنه أن يقلل الموارد المائية إلى منطقة كردستان العراق بمقدار 60%.

وقد بدأت حكومة إيران تدرك أن سوء التخطيط وسنوات الجفاف قد تسببت جميعها في تحويل العديد من السدود إلى سدود عديمة الفائدة، بالإضافة إلى إسهام العديد منها في إلحاق ضرر بالبيئة.

فقد أصبحت محافظة خوزستان الإيرانية الغنية بالنفط، الواقعة على حدود العراق -على سبيل المثال-  أرضاً سبخة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقد نقصت موارد المياه التي تصل إلى المحافظة بمقدار الثلثين أساساً؛ بسبب إنشاء سد على نهر كارون.

ومع تزايد جفاف النهر وضفافه، هرب المزارعون إلى المدن؛ بحثاً عن عمل. وقد كان سبب اندلاع التظاهرات بأنحاء إيران كافة في الفترة ما بين أواخر عام 2017 وبداية عام 2018، ارتفاع أسعار الغذاء والبطالة، وهي الأمور ذاتها التي نتجت عن أزمة الهجرة والنزاع في سوريا.

ويعاني ما يقرب من 96% من إيران مستويات مختلفة من الجفاف الطويل، وتعاني مدنها الثماني الرئيسية، بينها طهران، للحصول على مياه صالحة للشرب. وأيُّ تعطل في منظومة المياه يثير الذعر بأرجاء البلاد، كما حدث في الصدامات التي اندلعت مؤخراً بأصفهان نتيجة نقص المياه.

الحرب على المياه: يدمرون مواردهم بأيديهم

الحروب التي استمرت في بعض مناطق الشرق الأوسط عقوداً، قد سببت ضرراً إضافياً إلى جانب شح المياه؛ إذ تشبَّع قدرٌ كبير من تربة المنطقة بالرصاص الناتج عن الذخيرة، ويؤثر تراكمه سلباً على جودة المياه.

وعانت المنطقة بشدة، بعد عقود، التغيير العميق الذي صحب الغزو الأميركي لأفغانستان (2001) والعراق (2003)، وما تلا ذلك من اضطراب اجتماعي وإطاحة بحكام، وثورات عنيفة وتفكيك لمؤسسات الدول.

وقد زادت الفوضى وإضعاف مراكز القوى من صعوبة الاستجابة للأخطار التي تفرضها زيادة درجات الحرارة، والجفاف في الجو.  

وتعلق صحيفة The Register Guard على هذا الوضع، قائلة إن حل مشكلة المياه في الشرق الأوسط مرتبط باعتبار موارد المياه محل تعاون وليس تنافس، فمستقبل المنطقة مرهونٌ بالاستعداد للتفكير بمنطق أبعد من الحدود السياسية والمصالح الضيقة وتجاوزها إلى مستقبل يقوم على التعاون.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top