“للرئيس الأميركي دونالد ترامب تغريدات على منصة التغريد تويتر، ولزعيم تركيا رجب طيب إردوغان إلقاء الخطابات”.. هكذا قارنت صحيفة “نيويورك تايمز” بين الزعيمين الأميركي والتركي في تحليل لها لشخصية وأداء رجب طيب أردوغان.
يصف المقال أردوغان بأنه رئيس بقوة ثلاثة خطابات يومياً، وخطابين في عطلات نهاية الأسبوع، حيث يعزي نجاحه كزعيم للكاريزما التي تحظى بها خطاباته وأسلوب الصدام والمواجهة فيها.
الوصفة المتبعة دائماً في خطابات أردوغان، تكمن في مهاجمة من يميل مؤيدوه إلى كرههم، سواءً كانوا زعماء أميركيين أو أوروبيين أو من النخبة الليبرالية التركية. ليبدو حديثه حديث أبٍ أو أخٍ أو جار، وهذا ما يجعل مؤيديه يشعرون أنَّه واحدٌ منهم، وإنَّه يقول ما يفكر فيه بلغة دارجة لاذعة تماماً كلغتهم.
ولا يتورع إردوغان عن توزيع انتقاداته لمسئولين عالميين فقد سخر يوماً من وزير الخارجية الألمانية ووصفه بالـ”كارثة”، قائلاً “والآن، لديهم وزير خارجية -يا إلهي- يا له من كارثة.. إنه لا يعرف حدوده. من أنت، لتخاطب رئيس تركيا بهذه الطريقة؟. إلزم حدودك.
كاريزما أردوغان بحسب الصحيفة الأميركية ذات صبغة ثقافية دينية إلى حد كبير فهو بارع في إلقاء الشعر الذي يحفظ الكثير من أبياته ويستخدمها كثيراً في خطبه لجذب انتباه المستمعين إليه كما حدث مؤخراً عندما لجأ إلى قصيدة لشاعر الاستقلال التركي محمد عاكف أرصوي تقول.. إن الشهداء من السماء.. كما أنه بارع في الانتقال الرشيق من خطاب التقوى والتدين إلى لغة الهجوم على الخصوم بأسمائهم علناً.
15 عاماً من النجاح والخطابات
وعلى الرغم من أن أردوغان يقود تركيا منذ 15 عاماً، بنجاح اقتصادي كبير فإن كاتبة النيورك تايمز كارلوتا جال ترى أنه يتعامل مع كل مؤتمر سياسي له وكأنه مؤتمر انتخابي، مشيرة إلى مهارات الخطابة لديه والتي تثير حسد خصومه.
لكن الواقع يقول غير ذلك فبعد صعود أردوغان إلى المسرح السياسي بتوليه منصب عمدة إسطنبول بعد الواقعة الشهيرة والتي انفجرت فيها تلال القمامة وإصابة العشرات من أبناء المدينة تغير كل شيء في المدينة التجارية الأولى في تركيا، ثم تغير الوضع في تركيا ذاتها، وتحسن الأداء الاقتصادي للدولة التركية تحت حكم أردوغان، وهو ما لا يمكن أن يكون بسبب الخطابات الشعبية على أهميتها في استمالة الجماهير الشعبية له.
وقد احتفظ أردوغان بموقعه كأكثر ساسة البلاد شعبية، ومن المتوقع أن يخوض الانتخابات الرئاسية مرةً أخرى، حيث تظهر استطلاعات الرأي أنه يحظى بدعم 40% من الأتراك ما يجعل فرصه في الفوز مجدداً كبيرة.
كاريزما سياسية وشعبية
الحضور الإعلامي هو أحد أسرار شعبية الرئيس التركي، الذي يُجمِع مؤيدوه ومعارضوه على أنَّه يستطيع دائماً أن يمس مشاعر الطبقة العاملة المحافظة في تركيا.
ويمكن فهم طريقة أردوغان بتوظيف الخطابات في آخر تجمع برلماني، في تركيا حيث انتقد أردوغان الأمم المتحدة، بطريقة تستند إلى الهوية والقومية الوطنية وأرسل تحذيرات مبطنة إلى الولايات المتحدة لدعمهما الجماعات الكردية، بلغةٍ يلعب فيها على وتر التاريخ التركي الذي يعجب جمهور مستمعيه، حيث قال: “نحن دولة، وأمة، مستعدة لتأخذ أي خطوة في أي لحظة. إذا كان هناك من يُفضِّل أن يقف في صف حفنة من الإرهابيين واللصوص ضد أمة ودولة كهذه، فإنَّنا سنلطمه بالرد على وجهه وعلى قلبه”.
وقد حظيت خطابات أردوغان التي تقترب من الشعب باهتمام المحللين دائماً، وتابعها وعلق عليها كثير من الخبراء في تحليل الخطابات ولغة الجسد، وأثار اهتمام كثير منهم أنها تتضمن الشعر والقصص المقتبسة من سيرة النبي محمد، ما جعل البعض يصفونها بأنها تشبه خطب الوعظ الديني، وربما يكون مرجع نمط التعليم الذي تلقاه أردوغان في المدرسة الدينية لخطباء المساجد والوعاظ.
إعجاب المؤيدين والخصوم
وحيث تقول Asli Aydıntaşbaş زميلة المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والكاتبة المتخصصة في الشأن التركي: “دائماً ما يقول مؤيدو أردوغان إنَّه عبقري. وفي هذا الزمن الذي يعتمد فيه الساسة رسائل منقحة ومعدة مسبقة، من الجيد أن نرى الغضب بل وحتى الكراهية التي تعكس مشاعرهم”.
ولكن خصوم أردوغان أيضاً يعترفون بمواهبه، حتى وإن لم يرق لهم أسلوب أردوغان وما يشوبه من نبرة إثارة انقسام. يقول إيهان بلجين، المتحدث باسم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي المعارض، والذي تعرض للسجن في ظل حكم أردوغان إنَّ أسلوب الرئيس التركي له سمت الساسة الشموليين الشعبويين.. ويصف بلجين الرئيس التركي، الذي شب في حي فقير تسكنه الطبقة العاملة في إسطنبول، بأنه كان دائماً يبدو كشخصية نضالية هجومية منذ أيامه الأولى في عالم السياسة، يخلق حالة من التوتر، ويجادل دائماً، حتى تتحقق له السيطرة.
وينقسم المجتمع التركي حول أردوغان، كما يظهر من نتائج استفتاءٍ أُجري العام الماضي لمنح الرئيس صلاحيات إضافية، كانت نتيجته 51% إلى 49%، لكنه يحظى بفرصة كبيرة إذا قرر خوض الانتخابات الرئاسية مجدداً رغم أنه قد يلقى مجابهة قوية من المعارضة الشرسة السياسية ميرال أكشنر، التي تعتزم الترشح ضده في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وقد سخرت أكشنر من خطابات أردوغان التي لا تنتهي في تغريدة لها على “تويتر ” مؤخراً، وكتبت مستعيرةً حيلته الخطابية المفضلة بالخطاب المباشر قائلة: “أريد أن أخاطب الرئيس في حضوركم. صديقي، أرجو أن تلتزم الصمت قليلاً. أبقِ بعض الوقت لأسرتك. اجلس في بيتك.. تنفَّس، حتى نتمكن نحن أيضاً من التنفس، وحتى تتمكن تركيا أيضاً من التنفس”.