يبدو أن في الزيارة الأخيرة التي يجريها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الولايات المتحدة الأميركية، تطرق الحديث إلى بقاء القوات الأميركية في سوريا، ولكن الثلاثاء 3 أبريل/نيسان، وبشكل مفاجئ قال ترمب إنه سيسحب قواته من البلد الذي مزقته الحرب منذ 7 سنوات.
وقال ترمب، إنه حان الوقت لانسحاب قواته من سوريا، بسبب التكلفة الباهظة لوجود القوات الأميركية في المنطقة.
https://www.facebook.com/FRANCE24.Arabic/videos/10155407650160737/?hc_ref=ARSkZ92kGN7GzFSfXgUlHG9d05nPitZJoWXpWZH-cBL8WR5sCitmCgwzoJmAFnuM0_w
ترمب أضاف، إن "الولايات المتحدة أنفقت 7 تريليونات دولار في الشرق الأوسط". وأشار أن "السعودية مهتمة جداً بقرارنا"، وقال "حسناً، إذا كانت الرياض ترغب ببقائنا في سوريا، فيجب عليها دفع تكاليف ذلك"، بحسب وكالة الأناضول التركية.
وأكد أن "تواجد قواتنا في سوريا مكلف للغاية بالنسبة لنا، ويخدم مصالح دول أخرى أكثر مما يساعدنا". وأضاف "أريد أن أعيد قواتنا إلى ديارهم، أريد أن أبدأ بإعادة بناء أمتنا".
وأوضح ترمب: "مهمتنا الأساسية هناك هي التخلص من "داعش"، ولقد أنجزنا هذه المهمة تقريباً.. سنتخذ قراراً في وقت سريع جداً".
ويأتي حديث ترمب عن الخروج من سوريا، تأكيداً لما قاله في خطاب ألقاه الخميس الماضي في ولاية أوهايو.
قرار متناقض
لكن خطاب ترمب المفاجئ يتناقض مع الأخبار القادمة من سوريا عن دفع واشنطن بتعزيزات في بعض المناطق الكردية، وخاصة مدينة منبج الكردية.
وينتشر حالياً في محيط منبج نحو 350 جندياً من التحالف الدولي، معظمهم من الأميركيين والفرنسيين، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي تحدث عن تعزيزات جديدة للتحالف، تضم عناصر من الطرفين وصلت في اليومين الأخيرين، بحسب الوكالة الفرنسية.
وبعد جولة في المدينة ومحيطها، تعود العربات المصفحة التابعة للتحالف إلى أحد مراكزها عند أطراف المدينة، قبل أن تخرج دورية أخرى تقل جنوداً يضعون نظارات سوداء باتجاه خطوط التماس، وتحوم مروحية تابعة لهم في أجواء المدينة.
وكان ولي العهد محمد بن سلمان قال إنه ينبغي أن تبقى القوات الأميركية في سوريا، وأشار في تصريح لصحيفة "The times" البريطانية، إن السعودية تعتقد أن على الولايات المتحدة أن تُبقي قواتها هناك لفترة متوسطة على الأقل، إن لم يكن لفترة طويلة.
واعتبر بن سلمان أن وجود القوات الأميركية داخل سوريا، هو الوسيلة الوحيدة لإيقاف إيران عن تمديد نفوذها،
وقال إن بقاء أميركا سيمكن واشنطن من إبداء رأيها في مستقبل سوريا. وأضاف الأمير أن إيران ومن خلال ميليشياتها التي تعمل بالوكالة سوف تسعى لإقامة طريق إمداد بري يربط طهران مع بيروت من خلال سوريا والعراق، مشيراً أن "الهلال الشيعي سيعطي إيران موطئ قدم في المنطقة المضطربة".
وحذر من أنه في حال أخرجت الولايات المتحدة قواتها من شرق سوريا، فإنها ستخسر تلك المنطقة، وأضاف أن الممر البري هدف إيران من الممكن أن يخلق الكثير من الأشياء في المنطقة. واستبعد بن سلمان إزاحة الأسد من السلطة، وقال إن "بشار باق، لكن أعتقد أنه من مصلحة بشار ألا يدع الإيرانيين يفعلون ما يحلو لهم".
ويبدو أن اللقاء الذي جمع بين ترامب ومحمد بن سلمان تطرق، لدفع الرياض أمولاً مقابل، بقاء القوات الأميركية في سوريا، لكن بعد هذا التصريح قد يكون ولي العهد السعودي لم يوافق على هذا المقترح. ومنذ بداية حملة ترمب للوصول إلى البيت الأبيض، دعا إلى سياسة خارجية عنوانها"أميركا أولاً" تقوم على تجنب الصراعات المكلفة، بحسب تقرير لوكالة Bloomberg الأميركية.
نادى ترامب منذ بداية حملته الانتخابية إلى سياسة خارجية تضع "أميركا أولاً"، متجنبةً الصراعات باهظة التكلفة والأنشطة الهادفة لبناء للأمم. وفي تصريحاته حول خروج الولايات المتحدة من سوريا في أوهايو، قال "لندع الآخرين يهتمون بهذا الأمر الآن".
إلا أن حديث ترامب عن الانسحاب من سوريا قريباً يتناقض "مع كل ما قال إن سياسته الخارجية ستدافع عنه، عدا مقاومته للانخراط في حروب خارجية جديدة"، حسبما يقول تشارلز ليستر، مدير برنامج التطرف ومكافحة الإرهاب في معهد الشرق الأوسط.
وأضاف ليستر بأن انسحاب الولايات المتحدة "سيُعتبر تمكيناً لإيران في الشرق الأوسط، وليس إضعافاً لنفوذها".
الأسلحة الكيميائية
لقد طرح ترامب أحياناً، مثل سلفه باراك أوباما، إمكانية التدخل بشكل أعمق في الحرب السورية. وكلاهما أدان استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية، كما وافق ترامب قبل عام تقريباً على شن هجمة صاروخية على إحدى القواعد الجوية السورية عقب اتهام الأسد باستخدام غاز السارين القاتل ضد مدنيين، بحسب المجلة الأميركية.
أما موقف البنتاغون الرسمي فمازال متمثلاً في وجوب القضاء التام على تنظيم الدولة الإسلامية، بالمعروف باسم داعش، في سوريا، على الرغم من طرد الجماعة الجهادية من معظم الأراضي التي وقعت تحت سيطرتها. وتستمر الولايات المتحدة في دعم القوات التي قاتلت ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بما في ذلك المقاتلين الأكراد الذين تعدهم تركيا إرهابيين.
وقالت دانا وايت، المتحدثة باسم البنتاغون، للصحفيين الأسبوع الماضي "لا يمكننا السماح لتركيزنا بالانحراف عن الواجب الأكثر الأهمية وهو القضاء على داعش في المنطقة. إن شبكة داعش الإرهابية أكثر هشاشة مما كانت عليه قبل عام واحد، إلا أنها مازالت تمثل تهديداً قوياً وحاضراً".
حتى الوقت الحالي على الأقل، تبقى الولايات المتحدة في سوريا. أعلن البنتاغون في ديسمبر/كانون الأول وجود حوالي 2000 جندي من القوات الأميركية هناك، وهو أربعة أضعاف الرقم الذي كشفت عنه إدارة ترامب من قبل. وبحسب البنتاغون، أنفقت الولايات المتحدة حوالي 14.3 مليون دولار يومياً في المتوسط على العمليات في سوريا والعراق، منذ بدء العمليات العسكرية في سوريا في 20 سبتمبر/أيلول 2014.
الأسبوع الماضي، قُتل جنديان من جنود التحالف، أحدهما أميركي والآخر بريطاني، جراء انفجار عبوة ناسفة بالقرب من منبج، المدينة الواقعة في شمال سوريا بالقرب من الحدود التركية. تسبب الانفجار في إصابة خمسة آخرين، بحسب ما أعلنه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. وكان الجندي الأميركي، الرقيب جوناثان دانبر، هو رابع من يُقتل في سوريا.
دفاعاً عن البقاء
يرى بعض محللي السياسة الخارجية الأميركية أن إدارة ترامب ملزمة بمواصلة المشاركة من أجل الوصول إلى اتفاقية عبر المفاوضات، إضافة إلى وقف انتهاكات حقوق الإنسان في حرب أسفرت عن مقتل ما يزيد على نصف مليون نسمة، وتشريد ملايين غيرهم. وجاء في البيان الذي قدمه دان كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، إلى أعضاء مجلس الشيوخ في مارس/آذار "إن إعادة أعمار سوريا ستتكلف 100 مليار دولار على الأقل، وسيستغرق إتمامها 10 سنوات على الأقل".
وقالت إيفلين فاركاس، مساعدة وزير الدفاع السابق في إدارة أوباما، والزميلة غير المقيمة في المجلس الأطلسي (مؤسسة بحثية غير حزبية)، "إننا بحاجة إلى آلية للانتقال. من دونها، لن تتمكن المعارضة أو المدنيون العاديون من القبول بالأسد، وسنجد أنفسنا في مواجهة إخفاق أخلاقي".
إلا أن ترامب ليس وحيداً في التساؤل عن قيمة الإبقاء على الجنود الأميركيين في أتون اضطرابات سوريا المستمرة.
إذ قال أندرو باسيفيتش، الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية والتاريخ في كلية بوسطن، وعقيد الجيش المتقاعد "الخطأ الاستراتيجي الأكبر هو الظن بأن استمرار بقاء القوات الأميركية في العراق سيسفر عن الاستقرار"، وأضاف متأملاً تاريخ التدخل الخارجي للولايات المتحدة "لقد أسفر عن زعزعة الاستقرار".