أثار الإعلام التابع للنظام السوري الجدلَ مؤخراً، بعدما أذاع التلفزيون السوري نبأً عاجلاً، في وقت متأخر من ليل الاثنين 17 أبريل/نيسان الجاري، يؤكد فيه أن الدفاعات الجوية السورية نجحت في التصدي لهجوم صاروخي استهدف مطار الشعيرات العسكري في ريف حمص، وأسقطت العديد من الصواريخ، عارضاً مقطع فيديو لصاروخ اعتُرض أثناء مروره أعلى القاعدة الجوية المذكورة، دون ذكر مصدر الهجوم، وعقَّب مذيع النشرة على الخبر بقوله: “سماؤنا أبيَّة أبيَّة.. وحرامٌ على غيرنا”.
في الوقت نفسه نشرت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” خبراً مماثلاً، لكنها تراجعت وحذفت جميع الأنباء التي تشير إلى حدوث الهجوم من على موقعها الإلكتروني، وأوردت أنباء أخرى عن ظهور خلل فني في الدفاعات الجوية جرى تداركه.
من جانبها أكدت وزارة الدفاع الأميركية عدم علاقتها بما حدث، وصرحت بأنه لا يوجد لها نشاط عسكري في تلك المنطقة في هذا الوقت، ونفى مسؤولان أميركيان شنَّ أميركا أو التحالف أيَّ ضربات جوية على مطار الشعيرات العسكري.
تراجع بعد ساعات رغم التأكيدات
بعد نشر العديد من الأخبار التي تؤكد وقوع الهجوم المزعوم على مطار الشعيرات العسكري في حمص، وإشارة العديد من المصادر الإعلامية السورية إلى عدم وجود أي أضرار بالمطار، وأن الدفاعات الجوية أسقطت جميع الصواريخ المُعادية- عادت وكالة أنباء “سانا” التابعة للنظام السوري بعد ساعات، وصحَّحت الخبر، بتأكيد حدوث إنذار خاطئ باختراق الأجواء السورية، أدى إلى إطلاق صفارات الدفاع الجوي، وعدد من الصواريخ، مشيرة إلى عدم وقوع أي اعتداء من الخارج على سوريا.
يوضح “المرصد السوري لحقوق الإنسان” الصورة شيئاً فشيئاً بإفادته عن سماع دوي انفجارات ضخمة قرب مطار الشعيرات العسكري في حمص، وأخرى في منطقة القلمون الشرقي القريبة من دمشق، حيث يقع مطارا الضمير والناصرية العسكريين، لكن رامي عبدالرحمن مدير المرصد، أكَّد في حديثه لوكالة “فرانس برنس” عدمَ سقوط أي صواريخ على المطارات العسكرية الثلاثة.
الرواية من الداخل
كشف أحد القادة في التحالف العسكري الإقليمي الموالي للنظام السوري في تصريحه لوكالة “رويترز” للأنباء، أن الرادارات التابعة للجيش النظامي السوري تعرَّضت لهجوم إلكتروني مشترك من جانب إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ليل الاثنين 17 أبريل/نيسان الجاري، مما أدى إلى إطلاق صفارات الدفاع الجوي، ووقوع هجوم بالصواريخ من الجانب السوري، سببه إعطاء إنذار خاطئ بحدوث قصف صاروخي، وأكد القائد -الذي طلب عدم نشر اسمه- أن الخبراء الروس نجحوا في حلِّ الخلل.
جدير بالذكر أن الدفاع الجوي للنظام السوري يتكون بشكل أساسي من منظومات روسية، ويمتلك منصات دفاع جوي ثابتة من طرازي “سام-2” و”سام-5″، يصل مداها إلى نحو 240 كيلومتراً، إلى جانب مجموعة واسعة من الصواريخ من “سام- 6” إلى “سام- 22” المتحركة، التي يصل مداها إلى 35 كيلومتراً، وكذلك صواريخ محمولة على الكتف.
ورغم أن هذه المعدات تعد قديمةً للغاية، مما دعا وزير الدفاع الأميركي إلى وصفها مؤخراً بأنها غير فعالة.
هجوم أميركي حقيقي وقع في نفس الشهر العام الماضي
قصفت الولايات المتحدة الأميركية مطار الشعيرات، في 7 أبريل/نيسان عام 2017، بـ59 صاروخاً من طراز “توماهوك” المجنحة، وانطلقت تلك الصواريخ من مدمِّرتين أميركيتين تبحران في شرق البحر المتوسط، وجاء الهجوم نتيجة أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربة عسكرية في سوريا، للرد على الهجوم الذي شنَّته القوات النظامية السورية بالغاز السام على مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، يوم 4 أبريل/نيسان 2017.
والسر وراء استهداف مطار الشعيرات تحديداً، هو تأكيد الحكومة الأميركية أن الطائرات التي استُخدمت في الهجوم الكيميائي انطلقت منه، وقد نتج عن مجزرة خان شيخون مقتل 84 مدنياً وإصابة أكثر من 500 آخرين.
تمثلت أهداف الضربة الجوية الأميركية في المقاتلات السورية الموجودة في المطار، وحظائر الطائرات، ومناطق تخزين الوقود والإمدادات اللوجستية، بالإضافة إلى مخازن الذخيرة وأنظمة الدفاع الجوي وأجهزة الرادار، وأوضحت واشنطن أنها لم تُصب في الغارات أيّ طائرات عسكرية روسية؛ نتيجة إخطارها القيادة الروسية قبل التنفيذ.
وأكدت المعارضة السورية المسلحة أن الضربة الجوية الأميركية تسبَّبت في تعطيل المطار وتدمير عدد من طائرات “سوخوي” السورية، لكن على الناحية الأخرى أعلن محافظ حمص طلال الداري، أن الأضرار البشرية في المطار لا تعد كبيرة، ومعظمها كانت مادية، إلا أن مواقع موالية للنظام السوري نشرت أخباراً عن مقتل ستة عسكريين من القوات السورية، بينهم ضابط برتبة عميد.
ما الأهمية التي يمثلها مطار الشعيرات العسكري؟
يقع مطار الشعيرات العسكري التابع للجيش النظامي السوري في ريف حمص الجنوبي الشرقي، وهو مجهز بمدرجين، ويوجد به حوالي أربعين حظيرة إسمنتية للطائرات، ويعد ضمن خمسة مطارات رئيسية استخدمها النظام السوري خلال السنوات الماضية.
أما بالنسبة لأنواع الطائرات الموجودة فيه، فهي طائرات “ميغ 23″ و”ميغ 25″ و”سوخوي 22″ و”سوخوي 25” القاذفة، بالإضافة إلى دفاعات جوية مثل صواريخ “سام 6” ورادارات، وتُقام فيه العديد من العروض العسكرية والتدريبات على الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وكان منطلقاً للغارات الجوية التي استهدفت مواقع مختلفة في حمص وحماة وإدلب.
مما يزيد من تأثير هذا المطار العسكري أنه تحط به مقاتلات عسكرية روسية منذ أواخر عام 2015، وتحديداً بعدما أعلنت روسيا عن تدخلها العسكري المباشر في سوريا، وقد أضافت الحكومة الروسية مدرجاً إضافياً إلى المطار قبل أن تستخدمه، وفي مارس/آذار 2017، نشرت روسيا في جنباته طائرات هجومية من طراز “ميغ 26″، وطائرة نقل عسكري وقوات عمليات خاصة.