لماذا انسجم ماكرون مع ترمب في الوقت نفسه الذي تنفر فيه ميركل من الرئيس الأميركي.. السر في المصافَحتَين!

منذ أن أصبح دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، سعى الزعماء الأوروبيون إلى معرفة ما يفكر فيه تجاه القارة العجوز. وفي حين كُتِبَت الآلاف من أوراق السياسات لاكتشاف ذلك، قد تُفصِح مصافحتان عمَّا هو أهم.

أولاهما لم تحدث، فعندما زارت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، البيت الأبيض في مارس/آذار 2017، تجاهل ترمب، الذي ظهر عدم حماسته جلياً -عامداً أو بالخطأ- طلب مصافحة يد نظيرته. وتحمَّلت ميركل الأمر حتى النهاية كما تفعل عادةً، بحسب تقرير لصحيفة The Washington Post الأميركية.

أما الرئيس الفرنسي، الذي كان محترساً من هذه المشاهد التي تجلَّت بوضوحٍ في المكتب البيضاوي، وخلال اجتماعات ترمب اللاحقة مع زعماء العالم الآخرين- فلم يُخاطر عندما حان دوره في مايو/أيار 2018. اختار ماكرون مصافحةً غير اعتيادية وطويلة، وربما كانت مؤلمة، وحماسية أيضاً يُفتَرَض منها آنذاك توجيه رسالة واضحة للرئيس ترمب: لا تستهن بالرئيس الفرنسي.

وأقرَّ ماكرون في مقابلةٍ لاحقة، قائلاً: “مصافحتي له لم تكن بريئة. هذه هي الطريقة التي تضمن بها احترامك. يجب أن تُظهِر أنك لن تُقدِّم أي تنازلاتٍ صغيرة، حتى لو كانت تنازلات رمزية”، بحسب الصحيفة الأميركية.

الفرق بين ماكرون وميركل

وفي علاقتهما بترمب، لا يشترك ماكرون وميركل في الكثير من الأمور. فاز ماكرون بالرئاسة الفرنسية اعتماداً على مبدأ وسطي عالمي، رغم أن منتقديه قد تذمَّروا مؤخراً؛ لأن أسلوبه في الحكم يشبه إلى حدٍّ ما أسلوب ترمب. وقد تكون ميركل زعيمة الحزب المحافظ في ألمانيا، لكن يُرجَّح أيضاً أن تُدوِّن سيرتها في التاريخ باعتبارها بطلة (أحياناً بشكلٍ غير مقصود) للقيم الليبرالية.

لكن، يبدو أن واحداً من هاتين القيادتين الكبيرتين في أوروبا قد حاز احترام ترمب، وهو ليس ألمانيّاً، بحسب الصحيفة الأميركية.

قال نيكولاس دونغان، وهو زميلٌ بارزٌ في المجلس الأطلنطي ويقيم بفرنسا: “لقد كان ماكرون ذكياً وناجحاً للغاية في عرض خلافاته مع ترمب قضيةً تلو الأخرى، بينما توجد في الواقع اختلافاتٌ فلسفية كبيرة بين النظام العالمي ودور ترمب في تفكيكه. قرَّر ماكرون التعامل مع ترمب بشروطه”.

عندما زار ترمب ماكرون بباريس، في يوليو/تموز 2017، لحضور عرض عسكري، دامت مصافحتهما الودية 29 ثانية كاملة. وقال ستيفان بيرلنغ، أستاذ السياسة الدولية بجامعة ريجنسبورغ، في رسالةٍ عبر البريد الإلكتروني: “كل الأبَّهة والترتيب الفرنسي آنذاك داعب أفكار ترمب عمَّا ينبغي أن تبدو عليه الرئاسة الحقيقية. في حين تعني ميركل الكثير من الأشياء التي يرفضها ترمب: فوائض الحسابات الجارية، وسياسة الهجرة التقدُّمية، والتواضع”.

ومما يثير الدهشة قليلاً، أن المستشارة الألمانية، المعروفة بهوسها بالتفاصيل والبراغماتية، قد جعلت تعاملاتها مع ترمب مسألةً مبدأ.

وبقدر ما يفضل ترمب رفيقه الفرنسي الجديد، لن يكون هناك أي مهرب من ميركل هذا الأسبوع. ومع زيارة الزعيمين الأوروبيَّين البيت الأبيض، ستظهر مساراتهما المتباينة بشدة تجاه الرئيس الأميركي مرة أخرى، خاصة بالنظر إلى أن ماكرون قد كُرِّم بزيارةٍ استغرقت 3 أيام للولايات المتحدة، في الوقت الذي تستعد فيه ميركل لزيارة عمل أقل بهاءً من نظيرها الفرنسي، بحسب الصحيفة الأميركية.

هكذا يرى كلا الزعيمين ترمب

وبحسب صحيفة The Washington Post  قد تتلخص علاقتهما المتباينة مع ترمب في عددٍ من العوامل:

– يبدو أن ماكرون يعتقد أن عزل ترمب أو معاملته كمنبوذٍ في السياسة الدولية سيؤدي إلى نتائج عكسية، حتى إن لم يتفق الطرفان في معظم الوقت. وهو يتناقض بشدة مع ميركل، التي عرضت شروطاً طويلة للعمل مع ترمب فقط في حال موافقته عليها، وذلك بعد فوزه في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2016: احترام “الديمقراطية والحرية، فضلاً عن احترام سيادة القانون وكرامة كل فرد بغض النظر عن أصله أو لون بشرته أو عقيدته أو جنسه أو ميوله الجنسية أو آرائه السياسية”. فربما لم يكن إلقاء ميركل محاضرة على الرجل الأقوى على الأرض أكثر قراراتها براغماتية.

– ويخشى ماكرون، الذي صار يُطلَق عليه أحياناً “ناصح ترمب”، أن مثل هذا النهج الوعظي قد يضيف فقط لإدراك ترمب أنه رئيس بلد مُثقَل بعبءٍ غير عادل بالدفاع عن النظام العالمي الليبرالي الذي يرغب في بتفكيكه. وقال دونغان: “لدى ماكرون إحساس قوي بالواقع، ويخبره إحساسه الواقعي بأنَّه سيكون لديه هامش أكبر للمناورة على مستوى العالم إذا ظل ترمب بعيداً عن طريقه”.

– إن الرئيس الفرنسي هو الأنسب لتهدئة غضب ترمب إزاء تردُّد أوروبا في نشر قوات عسكرية. ففي حين أن ميركل على رأس بلد يسوده السِّلم بشكل عميق ومتأصل في الحس السياسي المعاصر، وحيث يتصدَّر الجيش عادةً عناوين الأخبار فقط؛ بسبب افتقاره إلى المعدات- كان ماكرون قادراً وراغباً في الانضمام إلى الولايات المتحدة وبريطانيا لشنِّ هجمات ضد نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا رداً على هجوم الأسلحة الكيماوية على الغوطة مؤخراً.

– في العلاقات الدولية، قد تُشكل تجارب الترابط الوثيق فرقاً كبيراً. وبوصفه ذكراً، يبدو أن ماكرون له اليد العليا على نظريته. لقد انتقدت علناً كلٌّ من ميركل ورئيسة الوزراء النيوزيلندية جاكيندا أردرن ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي سلوك ترمب عندما اعتبرنه غير مقبول، ولم تحاول أي من هذه القيادات النسائية توثيق علاقتهن به على نحو ما يفعله نظراؤهن الرجال. (يُحتَمَل أن مزاعم السلوك الجنسي البذيء ضد ترمب لم تساعدهن). كما أن ميركل وماي لا يلعبان الغولف ولا يجدان متعة في العروض العسكرية، وهما طريقتان مُحتَمَلَتان أخريان للتقرب من الرئيس الأميركي.

– على النقيض من التفويض القوي لماكرون، الذي يقول منتقدوه إنَّه اعتاد بالأساس تحويل فرنسا إلى نظام دولة الحزب الواحد، تترأس ميركل حكومة ائتلافية مع الديمقراطيين الاجتماعيين، الذين سبق أن صرحوا بشكل استثنائي ضد ترمب. وقد وصف أعضاءٌ بارزون في الحزب الاشتراكي الديمقراطي ترمب بأنه “تهديدٌ” وبأنه “عدوٌ يقود حركةً استبدادية وشوفينية جديدة”. لم تكن صداقة ميركل وترمب لتسير على نحوٍ جيد في ظل وجود هذا الشريك اليساري والذي يبقيها بسدة الحكم.

ومع ذلك، لم يقتنع الجميع بأن استراتيجية ماكرون مع ترمب قد تُسفر عن نتائج ملموسة. وعلَّق دونغان: “الخطر هو أن ماكرون يعلن عن فكرة سيطرته على ترمب. لكن أحداً لا يستطيع السيطرة عليه”، كما تقول الصحيفة الأميركية.

ماكرون مهدَّد بفقدان النفوذ

وخلال الأسبوع الماضي، بعدما قال ماكرون إنه قد أقنع ترمب بأن يُبقي على القوات الأميركية في سوريا “على مدى طويل”، كان على الزعيم الفرنسي أن يسحب تعليقاته بعد رفضٍ حاد لطلبه من جانبِ البيت الأبيض. وقال دونغان: “كل من يحاول أن يسيطر على ترمب يرفضه ترمب نفسه؛ لذا فإن أخذ الفضل في كونه مسؤولاً عن ترمب قد يُكلِّف ماكرون فقدان النفوذ الذي اكتسبه”، بحسب الصحيفة الأميركية.

وربما يكون التشابه مع رئيسٍ أميركي لا يحظى بشعبيةٍ في أوروبا قد يُمثِّل أيضاً مخاطرةً على ماكرون محلياً.

وقال بيرلينغ: “في النهاية، كل هذا قد لا يعني الكثير. فحتى الآن، عامَلَ ترمب أصدقاءه بصورةٍ أسوأ مِمَّا عامَلَ بها أعداءه”، مشيراً إلى الرفض الأميركي الأخير لمنح اليابان إعفاءاتٍ من التعريفات الجديدة على الصلب والألمنيوم. وأضاف: “ربما يشهد ماكرون التجربة نفسها”.

وتابَعَ قائلاً: “يبدو أن ترمب يُقدِّر الصفقات مع كيم جونغ-أون أكثر من عقدها مع الأوروبيين”.

لكن، في الوقت الحالي، يبدو أن ترامب يُقدِّر تفاعله مع ماكرون على الأقل بالقدر نفسه، انطلاقاً من مصافحتهما المرِحة خلال ظهورهما في البيت الأبيض الثلاثاء 24 أبريل/نيسان 2018 وخروجهما لاحقاً.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top