كيف بإمكانك أن تُسيّري بلدية وأنت امرأة؟ التونسيات يخضن حملاتهن في الانتخابات البلدية لانتزاع المناصفة

 

 

تتنقل إيناس بوستة، المرشحة الشابة للانتخابات البلدية في تونس، في الأحياء القريبة من منطقة طبربة غرب البلاد، تطرق أبواب السكان وتصغي لمشاكلهم، وتحاول إقناعهم بانتخاب القائمة التي تترأسها، وبأن المرأة  يمكن أن تكون “صاحبة قرار”.

للمرة الأولى في تاريخ تونس، فرض قانون الانتخابات المناصفة في الترشيحات على اللوائح الحزبية والمستقلة والائتلافية، بين النساء والرجال. وبناء عليه، بلغت نسبة المرشحات في الانتخابات البلدية المقررة في 6 أيار/مايو الجاري، 48 في المئة، ما من شأنه أن يساهم، وللمرة الأولى في تاريخ تونس، بوصول شابات بدأن نشاطهن السياسي مع ثورة 2011، إلى مواقع المسؤولية.

وتحمل بوستة المرشحة من حزب “نداء تونس” في منطقة طبربة، نموذجاً من ورقة الاقتراع وقلماً في يدها، وتحاول إقناع الناخبين في هذه المنطقة الزراعية المحافظة إلى حد كبير، بالتصويت لـ”النخلة”، رمز الحزب الذي انضمت إليه منذ ثلاث سنوات.

وتقرّ بوستة بأن وصولها لترؤس قائمة لم يكن سهلاً، وتضيف لوكالة الصحافة الفرنسية أن نظرة المجتمع إلى المرأة لا تزال متدنية بعض الشيء وتأمل أن تتغير، مشيرة إلى أنها تعرضت لانتقادات وتعليقات، مثل “لا تزالين شابة”، و”ليست لديك خبرة المجال السياسي”، و”البلد غير مستقر” والسؤال الذي يستفز إيناس أكثر: كيف بإمكانك أن تُسيّري بلدية وأنت امرأة؟.

صاحبات قرار

تسير المرشحة الشابة بين المنازل في أزقة صغيرة، وقد ارتدت سروالاً أزرق وقميصاً وردياً، تعتبر أن التجربة تتكون بالممارسة وفي الميدان “نتعلم ولو دون خبرة. المرأة كانت مقصاة، واليوم لديها فرصة لتكون فاعلة وتنجح وتكون صاحبة قرار”.

وبلغ عدد النساء المرشحات اللواتي يترأسن قوائم انتخابية 580، من أصل 2074 قائمة كما توضح نائبة رئيسة رابطة الناخبات التونسيات تركية الشابي.

وطبق كل من حزبي “نداء تونس” و”النهضة” الكبيرين قاعدة التناصف في قوائمهما الانتخابية.

ففي تونس العاصمة، تترأس سعاد عبد الرحيم قائمة حزب النهضة الإسلامي لنيل منصب رئيس البلدية، الذي طالما كان حكراً على الرجال.

وتعتبر تونس من الدول الرائدة في مجال تكريس حقوق المرأة، فقد أقرت مجلة الأحوال الشخصية في 1956، زمن حكم الحبيب بورقيبة، أول رئيس للبلاد، منع تعدد الزوجات وتطمح لإقامة مساواة كاملة بين الجنسين.

جيل سياسي جديد

وتعتبر الشابي أنه لولا قانون التناصف، لما وصلوا لهذا العدد من الترشيحات، لأن العقلية لا تزال تفضل الرجال، وتبدي ثقتها بفوز عدد كبير من المرشحين والمرشحات الشباب، قائلة “أعتقد ان الانتخابات ستفرز جيلاً جديداً من الشباب وستُعيد الشباب إلى الساحة السياسية”.

فمعظم الشباب تعلموا العمل السياسي منذ 2011 ضمن منظمات المجتمع المدني لأنهم لم يمنحوا فرصة فعلية قبل ذلك في عهد الرئيس السابق بن علي، أما اليوم فقد بدأ يتشكل جيل سياسي جديد.

ومن بينهم إيناس بوستة التي دخلت مجال السياسة منذ الثورة عبر جمعيات كمتطوعة في مجال الرعاية الصحية كما تحكي “نحن الشباب آمنا بالثورة، وأُقصينا من المشهد السياسي، والآن فرصة جاءت بها الثورة لنكون أصحاب قرار”.

انضمت إلى حزب “نداء تونس” لأن “مؤسسه الباجي قائد السبسي يؤمن بالشباب كما تقول وخصوصاً العنصر النسائي ويعطيهن الفرصة، و”هذا تحديداً ما جذبني”.

وتفخر إيناس بوستة، طالبة الدكتوراه في الهندسة المدنية والتي تدرس في عدد من الجامعات التونسية، بكونها أصغر مرشحة عن الحزب.

ويبلغ الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي 91 عاماً، وفاز في أول انتخابات رئاسية حرة في تونس في 2014، وكان العامل النسائي فاصلاً في تلك الانتخابات، إذ صوتت أكثر من مليون ناخبة للباجي قائد السبسي أمام منافسه المنصف المرزوقي آنذاك كما عين في 2016 يوسف الشاهد رئيساً للحكومة وهو أصغر مسؤول سياسي يدير الحكومة في تاريخ تونس المعاصر.

ويؤكد الباحث في جامعة فلورنسيا بإيطاليا حمزة المؤدب أن هناك إمكانية لظهور جيل جديد من المسؤولين على المستوى المحلي.

ويضم السجل الانتخابي نحو 5,3 مليون ناخب، 52 في المئة منهم من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة.

لحظة لخدمة الوطن

خلال حملتها الانتخابية، عبر عدد من سكان المنطقة عن ثقتهم بالمرشحة مع إيناس بو ستة، لأنها “شابة ومتفهمة لمتطلبات المنطقة” من أساسيات البنية التحتية وقنوات الصرف الصحي.

وتنتمي المرشحة إلى عائلة معروفة في طبربة التي شهدت موجة احتجاجات مطالبة بالتشغيل والتنمية في 8 كانون الثاني/يناير الفائت توفي خلالها شخص في مواجهات مع قوات الأمن.

ولم تأت ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، وأرست نظاماً ديموقراطياً إلى حد كبير، بالتنمية المنشودة حيث مازالت البلاد تعاني من سلسلة أزمات اجتماعية واقتصادية.

وتشكل تجربة الانتخابات البلدية في تونس مرحلة مهمة في مسار الانتقال الديمقراطي، ويعوَّل عليها التونسيون لكي تفتح المجالس البلدية المنتخبة ملفات لطالما اشتكوا منها، وبينها النظافة وجلب الاستثمار ورفع التهميش عن المناطق الداخلية.

وتقرّ سيمون سوسكيند، السياسية البلجيكية التي أشرفت نهاية فبراير/شباط الفائت على دورة تدريبية “نساء قياديات المستقبل” ضمت 60 امرأة مرشحات في قوائم الأحزاب البارزة في تونس، أن التونسيات “لا يملكن الخبرة للقيام بمهام البلديات ولكن عليهن البدء، وهذا عمل يتطلب نفساً طويلاً”.

رغم هذا فإن إيناس مستمرة في حملتها الانتخابية بإصرار وكلها ثقة بالفوز، وكل الانتقادات التي يوجهها لها سكان الدائرة تزيدها قوة وشجاعة، لأن هذه “هي اللحظة المناسبة لخدمة الوطن” تختم بابتسامة وتواصل طريقها لتطرق باباً جديداً.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top