رأيت ساقي، وتبخرت كل أحلامي.. قصة الرصاصة التي أصابت هذا العداء وكثيرون غيره في غزة

بقدمين نحيفتين يسابق الهواء ويجري، من بطولة لأخرى ومن سباق لغيره يطمح في الوصول للقمة، أحلام ما لبثت أن انتهت برصاصة قضت على آمال العداء ابن الـ17 ربيعاً أطلقها عليه جندي إسرائيل أثناء مشاركته في احتجاجات على حدود قطاع غزة مارس/آذار المنصرم.

اخترقت الرصاصة ساقه وهشمتها قبل أن تخرج من الناحية الأخرى، حاول الأطباء إنقاذ ساقه دون جدوى، انتشرت العدوى واضطروا لبترها.

لم يكن محمد العجروي الوحيد الذي أصابته رصاصات الاحتلال وأفقدته الحركة، فقد أصيب وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية ما لا يقل عن 17 فلسطينياً بأعيرة أفقدتهم سيقانهم لاحقاً خلال الشهر الماضي الذي شهد مظاهرات على طول الحدود بين غزة ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

أفاد المحامون وأقارب المرضى أن السلطات الإسرائيلية رفضت في ثلاث حالاتٍ على الأقل نقل الجرحى من سكان غزة إلى الضفة الغربية ليتلقوا الرعاية الطبية التي ربما كانت ستنقذ أطرافهم.

أحلام تبَّخرت

كانت التظاهرات الأسبوعية والاحتجاجات لعشرات من الشبان أمثال العجوري بمثابة إلهاء مرحب به وهروب من رتم الحياة اليومي في قطاع غزة المحاصر حيث تندر فرص العمل والأمل على حد سواء.

 بصوت هادئ قال العجوري إنَّه أصيب بعدما أن استدار ليغادر منطقة التظاهر، واخترقت الرصاصة ساقه اليمنى التي بُتِرت لاحقاً حتى فوق الركبة.

ما زال الشاب يبتسم، وعيناه تتجعدان عندما يتذكر الميداليات التي فاز بها في سباق الـ400 متر. “أنا سريع وأحب الجري”، هذا ما قاله الشاب من سريره في غرفةٍ صغيرة مبعثرة في مخيم جباليا للاجئين، بينما الأصدقاء والعائلة يسهرون على رعايته. مضيفاً: “كان أملي السفر إلى الضفة الغربية والمنافسة في البطولات الدولية”.

كان علاء الدالي (21 عاماً) أيضاً رياضياً طموحاً يأمل في التحرر من الحياة في غزة. وكان درَّاجاً يتدرب استعداداً لدورة الألعاب الآسيوية المقرر إقامتها في العام الجاري 2018.

وشارك في مظاهرةٍ يوم 30 مارس/آذار الماضي، بالقرب من رفح في جنوب قطاع غزة. وقال إنَّه سافر بالدراجة إلى الحدود مع أصدقائه الذين أكدوا له أنَّ المظاهرة ستكون سلمية. وفي أثناء المظاهرة بعد اندلاع إطلاق النار، سارع إلى مساعدة متظاهر آخر جريح. وكان ذلك هو الوقت الذي اخترقت فيه إحدى الرصاصات ركبته  حسب قوله.

في أحد مستشفيات غزة كان يرقد، يحدق في سقف الغرفة قائلاً “رأيت ساقي، وتبخرت كل أحلامي”. تسببت رصاصة واحدة في أضرار مدمرة. وأضاف: “قلت لنفسي: لم تكن هذه رصاصة. بل كانت أشبه بقنبلةٍ صغيرة”.

 أجرى الأطباء العديد من العمليات الجراحية لإصلاح الأوعية الدموية واستعادة تدفق الدم إلى طرفه. ولكن بعد خمس عمليات، بتروا ساقه اليمنى.

الأطراف التعويضية حلم المصابين

أُصيب يوسف الكرنز (19 عاماً) بالرصاص في ساقيه في مظاهرة 30 مارس/آذار. وبُترت ساقه اليسرى بينما كان تصريح إسرائيل بالسفر للعلاج في الضفة الغربية، وحذر الأطباء من خطر فقدان ساقه الأخرى.

وفي حُكمٍ صدر في 16 أبريل/نيسان ، قالت المحكمة العليا الإسرائيلية إنَّ يوسف لم يكن يُشكِّل أي تهديد وسمحت له بالعبور إلى الضفة الغربية، حيث يوجد الآن في المستشفى. طُبَّق الحكم فقط على يوسف.

يحتفظ يوسف بتصفيفة شعره الداكن السميك المميزة ولديه عينان عميقتان تنغلقان من الألم. وقال إنَّه يريد السفر إلى تركيا أو ألمانيا لتركيب ساق صناعية. ومع أنَّ الرعاية الطبية في الضفة الغربية أفضل مما هي عليه في غزة، لا تستطيع عائلته تحمل تكلفة الطرف التعويضي، ويأمل أن توفر له دولة أجنبية طرفاً صناعياً.

بيد أنَّ القلق الأكبر الآن هو بشأن ساقه اليمنى.

إذ قال والده إياد الكرنز وهو يمسك بسجلات ابنه الطبية: “همنا الرئيسي الآن هو علاج ساقه الأخرى حتى يتمكن من حمل بقية جسده”.

لم يتمكن إياد من مرافقة ابنه للضفة الغربية، وبقي في منزله في مخيم البريج للاجئين، وهو حي من الأحياء الفقيرة مكوَّنٌ من أزقَّةٍ ترابية ومنازل مصنوعة من الصفائح المعدنية المموجة.

أضرار غير عادية

وذكرت منظمات حقوقية وخبراء في مجال الصحة أنَّ الأضرار التي لحقت بأطراف المتظاهرين كانت شديدة على غير العادة. وقد سجلت منظمة أطباء بلا حدود التي يقع مقرها في العاصمة الفرنسية باريس “مستوىً هائلاً من أضرار العظام والأنسجة الرخوة، وجروح كبيرة من أثر الطلقات التي عبرت الجسم يصل حجمها إلى حجم قبضة اليد”.

وقالت منظمة هيومان رايتس ووتش إنَّها تراجع أدلةً على أنَّ الرصاص الذي أطلقته القوات الإسرائيلية تسبب في “إصاباتٍ بدنية كبيرة”، بما في ذلك “تهشيم العظام”.. وقطع الأوردة والشرايين”.

 وقال متحدث عسكري إسرائيلي عند سؤاله عن نوع الذخيرة المستخدمة: “في سياق أعمال الشغب العنيفة في غزة، لا يستخدم الجيش الإسرائيلي إلا الأسلحة والذخيرة العادية التي تُعَد مشروعة بموجب القانون الدولي”.

وذكرت إسرائيل أنَّ ردها المسلح كان مناسباً للتهديد الذي شكَّله الفلسطينيون. بينما اتهم مسؤولون إسرائيليون حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تسيطر على غزة باستخدام المتظاهرين المدنيين كغطاء لـ”إرهاب إسرائيل”.

وكتب وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان تغريدةً على موقع تويتر قال فيها: “حماس هم قادة جبناء يختبئون خلف النساء والأطفال ويرسلونهم كدروع بشرية، حتى يتمكنوا من الاستمرار في تنفيذ أعمالٍ إرهابية ضد دولة إسرائيل”.

وذكرت وزارة الصحة أنَّ القوات الإسرائيلية قتلت منذ بدء الاحتجاجات 43 فلسطينياً وأصابت أكثر من 3500 آخرين بجروحٍ بالذخيرة الحية أو الرصاص المطاطي أو الشظايا، من بينهم 2200 مصابٍ في سيقانهم.

وقال مسؤولون إسرائيليون إنَّ الاحتجاجات على طول السياج الحدودي عنيفة وتوفر غطاءً لهجمات المسلحين. بينما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أنَّ القوات أُمِرت بإطلاق طلقات تحذيرية في البداية على المتظاهرين، وبعدها استهدفوا أرجلهم لإفقادهم الحركة

الاحتلال يبرر اعتداءاته

 قال متحدثٌ باسم قوات الدفاع الإسرائيلية: “تتصرف قوات الجيش الإسرائيلي وفق قواعد اشتباك واضحة تتناسب مع السيناريوهات التي تواجهها”. ورفض المتحدث ذكر تفاصيل تلك القواعد لكنَّه قال إنَّ إطلاق النار هو الخيار الأخير.

بيد أنَّ الأمم المتحدة تقول إنَّ إسرائيل متورِّطة في “الاستخدام المفرط للقوة”، وتشير منظمات حقوقية إلى حالاتٍ شهدت إطلاق الجنود النار على محتجين غير مسلحين أو محتجين لم يُشكِّلوا تهديداً فورياً.

استهداف مقصود

عمر شاكر المسؤول عن الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية في منظمة هيومان رايتس ووتش في نيويورك أكد أن “نشر القناصة والتخطيط الحذر والعدد الكبير من الإصابات في الأطراف السفلية يعكس سياسةً إسرائيلية واضحة بتعمُّد استهداف هذه الأطراف”، مشيراً إلى أنَّ استهداف سيقان المتظاهرين “لا يُخفِّف من عدم قانونية هذه السياسة” وأن استخدام الذخيرة الحية لاستهداف أي جزء من الجسم يسبب حتماً إصابات خطيرة تصل أحياناً إلى الموت.

 

وذكرت منظماتٌ طبية أنَّ الأطباء في غزة لا يستطيعون في كثيرٍ من الأحيان التعامل مع هذه الإصابات، وذلك لأنَّ المستشفيات هناك تعاني قلة عدد العاملين فيها.

في وقت صرّح فيه صلاح حاج يحيى مدير العيادة المتنقلة في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل أن “أكثر المستشفيات تقدُّماً في غزة، تشعر وكأنَّها من مستشفيات السبعينيات”. يُذكَر أنَّ يحيى زار غزة مؤخراً ضمن وفدٍ طبي. وأضاف في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني “إذا بقيت الأمور على حالها، سيضطر معظم المصابين بطلقاتٍ نارية إلى الخضوع لعمليات بتر”.

وقال أطباء إنَّ بعض عمليات البتر أجريت على الفور بعد إطلاق النار على الضحايا بسبب شدة الإصابات. وفي حالات أخرى، استقرت حالة الجرحى لكنَّهم كانوا يحتاجون إلى العلاج خارج غزة لإنقاذ أطرافهم المصابة.

ورفضت السلطات الإسرائيلية -التي تفرض قيوداً صارمة على تنقُّل الأشخاص داخل القطاع وخارجه لأسباب أمنية- عمليات الإجلاء الطبي للمرضى عبر الأراضي الإسرائيلية إلى الضفة الغربية.

وقال متحدثٌ باسم منسق الأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية -وهي وكالةٌ تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية تشرف على الشؤون المدنية في الأراضي الفلسطينية بما في ذلك غزة- في تصريحٍ عبر البريد الالكتروني: “كان قد تقرَّر رفض أي طلبٍ للعلاج الطبي من جانب أي إرهابيٍ أو مثير شغب شارك في أحداث عنف”.

وأضاف في التصريح: “ومع ذلك، تُفحَص حالاتٌ إنسانية استثنائية على أساس تقييم الوضع الأمني وحسب تقدير قائد المنطقة”.

 تعاني نقصاً في الموظفين وتتعامل مع حالات تفوق طاقتها

لدى مبتوري الأطراف في غزة خيارات قليلة لإعادة التأهيل. ولا يوجد أطباء يمكنهم إجراء عمليات جراحية لتعديل الأجزاء المتبقية من أطراف مبتوري الأطراف لاستيعاب الأطراف الصناعية، وفقاً لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل.

وفي مركز الأطراف الصناعية والشلل في مدينة غزة -وهو المرفق الوحيد في غزة الذي يصنع الأطراف الصناعية- قال الفنيون إنَّهم يواجهون نقصاً حاداً في المواد الخام. فضلاً عن أنَّ عدم كفاية الطاقة الكهربائية يعوق الإنتاج، مما يترك العديد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى أطراف بدونها.

يعملون جاهدين بأدوات محدودة، ولا يعتمدون سوى على ابداعهم في كيفية إصلاح الأطراف الصناعية إذ لا يحصلون على احتياجاتهم إلا بمحض الصدفة.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top