إذا كانت التقارير صحيحة، فإنَّها إذن سرقة القرن. يُقال إن جواسيس إسرائيليين اقتحموا مستودعاً سرياً بطهران في يناير/كانون الثاني 2018، وسرقوا نصف طن من الوثائق ونقلوها بطريقة ما إلى إسرائيل في الليلة نفسها.
وتثير هذه النسخة من الأحداث، التي رُويت في صحيفة The New York Times الأميركية، أسئلةً مهمة عن الوثائق التي قدَّمها بنيامين نتنياهو يوم الإثنين 30 أبريل/نيسان 2018، كدليل على عدم صدق إيران بشأن برنامجها للأسلحة النووية.
على سبيل المثال، لماذا لا تخضع الممتلكات، التي من المُفتَرَض أنها الأهم لدى الأمن القومي الإيراني، لحراسة أفضل؟ هل كافح الجواسيس للوصول إلى المستودع، أم أنَّ هناك “رجلاً من الداخل” ساعدهم، أم كان المستودع مغلقاً بمجرد قفل؟ بحسب تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.
ولماذا -مع كل تلك الوثائق- لم يكن الإسرائيليون غير قادرين على العثور على معلومات جوهرية جديدة لم تقدمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 2011؟
“أشياء سخيفة”
قالت أليكساندرا بيل، الخبيرة السابقة بوزارة الخارجية، وهي الآن كبيرة مديري السياسات في مركز الحد من التسلح وعدم انتشار الأسلحة النووية: “لم يكن هناك شيءٌ جديد. لم يكن هناك شيءٌ لا تعرفه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكل الأداء المسرحي وعرض الباوربوينت الذي يعود تقريباً لعام 2004، هي أشياءٌ سخيفة بعض الشيء!”.
على الأقل، بعض الأسئلة التي لم تُقدَّم إجاباتٍ عنها يمكن حلها عندما تشارك إسرائيل هذه الوثائق مع الحكومات الأخرى والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولكن بحلول ذلك الوقت، من المُرجَّح أن يكون لعرض نتنياهو متعدد الوسائط تأثيره المقصود؛ وهو توفير غطاء سياسي للانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران.
ويهدد دونالد ترمب بالتوقف عن إصدار إعفاءات رئاسية بشأن العقوبات ذات الصلة بالشأن النووي عندما يكون من المقرر تقديم الشريحة التالية في 12 مايو/أيار 2018، وهو ما يمثل إلغاءً للاتفاق المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، حتى لو لم يعلن ترمب الانسحاب رسمياً، بحسب الصحيفة البريطانية.
ومن شأن ذلك أن يفتح صدعاً مع حلفاء واشنطن الأوروبيين؛ فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، الذين هم أيضاً طرف في خطة العمل الشاملة المشتركة ولا يزالون يدعمونها بقوة. أصدرت لندن وباريس بيانين يوم الثلاثاء 1 مايو/أيار 2018، شددتا فيهما على أنَّهما على درايةٍ بالعملية الإيرانية السابقة لتصميم الأسلحة منذ سنواتٍ عديدة، وأنَّ ذلك الوعي هو الذي قاد مواقفهما التفاوضية خلال عامين من المحادثات التي سبقت ذلك الاتفاق.
على الرغم من هذه المعارضة الشديدة من الحلفاء الرئيسيين لتهديد ترمب بكسر الصفقة، قبِل البيت الأبيض وثائق نتنياهو. وفي حرصها على تبني الرسالة، جهرت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، سارة ساندرز، بتصريحٍ يقول إنَّ “لدى إيران برنامجاً قوياً وسرياً للأسلحة النووية”.
بعد بضع ساعات، وُضِع الادعاء بهدوءٍ في زمن الماضي، ليقول بدلاً من ذلك إن إيران “كان” لديها مثل هذا البرنامج.
هذا الافتراض كان أساس خطة العمل الشاملة المشتركة. وحتى الآن، لا يمثل أي شيء من كنز الوثائق الإسرائيلي انتهاكاً مباشراً للاتفاق، أو يتناقض مع حكم الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ديسمبر/كانون الأول 2015، بأنَّه لم يكن هناك أي دليل على عملٍ إيراني في مجال تصميم الأسلحة النووية بعد عام 2009، بحسب الصحيفة البريطانية.
وفي ردها الوحيد على عرض نتنياهو حتى الآن، أعادت الوكالة ببساطةٍ، تأكيد النتائج الرسمية لمديرها العام، يوكيا أمانو، في عام 2015، بأنَّه يبدو أنَّ هناك “جُهداً مُنسَّقاً” في إيران بشأن تطوير الأسلحة حتى عام 2003.
بعد ذلك، كانت هناك “دراسات جدوى ودراسات علمية” متفرقة حتى عام 2009، و”لا توجد مؤشرات موثوقة على أنشطة في إيران ذات صلة بتطوير جهاز متفجر نووي بعد عام 200″.
ومع ذلك، فإنَّ الوثائق الإسرائيلية تسلط الضوء على واحدة من المساومات التي تقوم عليها خطة العمل الشاملة المشتركة. كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تسعى للحصول على أدلة لتصميم الأسلحة النووية منذ عام 2005، بعد أن هُرِّب حاسوبٌ محمول يحتوي على ملفاتٍ عن تصميم الأسلحة النووية خارج إيران وسُلِّم إلى وكالة الاستخبارات المركزية، بحسب الصحيفة البريطانية.
وبحلول فبراير/شباط 2008، اعتقد رئيس قسم الضمانات التابع للوكالة، أولي هاينونين، أن هناك أدلة كافية لإطلاع مجلس الوكالة عليها، واستمر المفتشون في الضغط من أجل الوصول إلى الأماكن والأشخاص المرتبطين بمشروع الأسلحة النووية “عماد”، ولا سيما رئيس العلماء محسن فخري زاده. إلا أنَّ الإيرانيين أعاقوا ذلك الوصول، ولم تتمكن الوكالة قَط من مقابلة فخري زاده أو زملائه.
خطة العمل الشاملة لم تحل المأزق!
وبحسب الصحيفة البريطانية، لم تحل خطة العمل الشاملة المشتركة المأزق، لكنها وضعته جانباً. اتفق الطرفان على أنَّ الاتفاق لن يدخل حيز التنفيذ حتى تغلق الوكالة ملفها حول قضايا التسلح السابقة. فعل أمانو ذلك في ديسمبر/كانون الأول 2015 مع “تقييمٍ نهائي“، يلخص ما عرفته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، دون الاستفادة من المقابلات وعمليات التفتيش التي أرادتها إدارة الضمانات. كان هؤلاء في الأغلب تحت سيطرة الحرس الثوري؛ ومن ثم ربما لم يكونوا تحت قرار حسن روحاني، رئيس إيران.
كان المأزق السياسي هو الذي أثار بعض القلق، مثلما قال هاينونين إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت تحط من قدرها الخاص باعتبارها المعيار الذهبي العالمي للتحقق النووي.
ويمكن للوثائق الجديدة أن تعيد فتح هذه المعضلة، وربما تحدد مواقع أعمال التسلح السابقة التي قد يطلب مفتشو الوكالة زيارتها، وربما تتسبب في مواجهات مع الجيش الإيراني، أو يمكنها منع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التوصل إلى “استنتاج أوسع” رسمي بأنَّ البرنامج النووي الإيراني مخصص للوسائل السلمية حصرياً، وهو حدث بارز كان متوقعاً في العقد الأول من تنفيذ خطة العمل المشتركة.
قال إيان ستيوارت، المسؤول السابق في مكافحة الانتشار بالمملكة المتحدة، والذي يعمل حالياً في جامعة كينجز كوليدج بلندن: “كان التقييم النهائي للوكالة الدولية للطاقة الذرية نوعاً من الهراء. لم ينتهوا منه تماماً؛ لأنَّهم أرجأوه ولم يضعوه كأولوية أولى. وهذا يجعل من الصعب الانتهاء من أمر التحقُّق”.
في إطار خطة العمل المشتركة، رُفعت بعض القيود عن أنشطة إيران النووية بعد 8 سنوات أو عندما تصل الوكالة إلى “نتيجتها الأوسع”.
أضاف ستيوارت: “سيتركنا ذلك الأمر في وضع لا يمكن الدفاع عنه سياسياً، مع رفع القيود المفروضة على البرنامج بحكم الواقع الظاهر، وليس بناءً على قناعة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنَّ الأنشطة الإيرانية ذات طبيعة سلمية بحتة”.
ومع ذلك، قد لا تنشأ مثل هذه المعضلات، إذا نجح ترمب -الذي شجعته وثائق نتنياهو- في القضاء على خطة العمل الشاملة المشتركة في الأسابيع أو الأشهر القادمة.