رغم أن الهيئة المستقلة للانتخابات في تونس لم تعلن بعدُ، رسمياً، عن النهائية للاستحقاقات البلدية بتونس، فإن النسب الأولية تُظهر احتلال حزب النهضة المركز الأول، متبوعاً بحزب نداء تونس، وحققت القوائم المستقلة نجاحاً نسبياً بحصولها على المرتبة الثالثة، خاصة في دوائر الجنوب.
وسارعت الأحزاب إلى تقييم مرحلة الانتخابات ونسبة المشاركة الضعيفة التي لم تتجاوز 20 في المائة، حيث عبَّر حزب الجبهة الشعبية اليساري عن عدم رضاه بما حققه من نتائج، في ظل استمرار ما وصفه بهيمنة الأحزاب الحاكمة منذ الثورة رغم ضعف إنجازها.
وسجَّل المراقبون أيضاً مجموعة من الخروقات في العديد من الدوائر الانتخابية، حيث تم اقتحام بعض المراكز ونشوب صراعات عنيفة بين ممثلي الأحزاب المتنافسة، إضافة إلى قرار الهيئة إعادة الانتخابات في بلدية المظيلة بمدينة قفصة جنوب البلاد.
نسبة ضعيفة بالوجوه نفسها
القيادي في “الجبهة الشعبية” عبد الجبار المدوري أعرب، في تصريح لـ”عربي بوست”، عن قلقه من التصويت لـ”نداء تونس” وحركة النهضة بعد تجربة دامت 8 سنوات من الائتلافات، معتبراً أنه لا بد للنخب السياسية من استيعاب الدرس والعمل على تجاوز الأخطاء في الانتخابات البرلمانية القادمة.

وربط المدوري نسبة المشاركة الضعيفة وعزوف الشباب عن الانتخاب بعدة أسباب، منها: تفشي البطالة، وغلاء الأسعار، والوعود الوهمية للأحزاب التي تستند فقط إلى الخطب لكسب أصوات الناخبين.
ورغم أن حركة النهضة و”نداء تونس”، حققا نتائج إيجابية في هذا الاستحقاق البلدي، غير أنهم فشلوا -حسب مراقبين- في إقناع الناخبين بالذهاب للتصويت رغم الدعوات التي أطلقها الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، حول أهمية الرهان المحلي في بناء الديمقراطية الناشئة.
تصدُّر الحزبين البارزين في الحكم؛ “النهضة” و”نداء تونس”، نتائج الانتخابات وخارطة المشهد السياسي سيحافظ على التحالفات القديمة نفسها بعد إعلان قيادات في حركة النهضة إمكانية تجديد تحالفها مع “النداء” في تشكيل المجالس البلدية.
مفاجآت اليسار
وحقق اليسار العلماني أرقاماً مفاجئة وغير متوقعة، خاصة في محافظات بالجنوب التونسي، حيث تقدَّم على منافسيه “نداء تونس” وحركة النهضة، اللذين تصدرا الانتخابات في أكثر من مركز اقتراع، منها مركز اقتراع جبناية والمظيلة والناظور من ماجل بلعباس بمحافظة القصرين.

واستغلت الأحزاب اليسارية، الأزمة السياسية والاقتصادية في برامجها الانتخابية لاستمالة الناخبين، ورغم أن نتائج التصويت لا تختلف عن الانتخابات البرلمانية في 2014، فإنها عكست عزوف الشباب من جهةٍ، مقابل تقدُّم اليسار بمناطق احتلتها حركة النهضة او شريكها العلماني “نداء تونس” في الانتخابات الفارطة.
اختلالات وتجاوزات
وقررت الهيئة المستقلة للانتخابات إعادة إجراء الاقتراع في بلدية المظيلة التابعة لمحافظة قفصة الجنوبية؛ بسبب خطأ في مكتبي اقتراع بمركز المظيلة من خلال توفير أوراق اقتراع خاصة بدائرة أخرى.
عضو الهيئة المستقلة للانتخابات رياض بوحوش فسر، في تصريح لـ”عربي بوست”، أن الخطأ حدث نتيجة قرب البلديات بعضها من بعض، موضحاً أن الهيئة أعلنت إعادة إجراء عملية الاقتراع.
كما أشارت الهيئة المستقلة للانتخابات إلى حدوث انتهاكات في عدة مناطق، من بينها محاولة التأثير على الناخبين وتوزيع الأموال، واعترف عضو الهيئة المستقلة رياض بوحوش بوجود انتهاكات، لكنه قال إنها ليست كبيرة ولن تؤثر على نتائج الانتخابات النهائية.

وأشار إلى أنه سيتم النظر في الطعونات والتجاوزات، وسيتم اتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب، بحسب تعبيره.
كما سجَّلت منظمات المجتمع المدني المكلفة مراقبة الانتخابات العديد من الخروقات الأخرى، وعلى رأسها عدم توقف الحملات الانتخابية في الوقت المحدد لها، إضافة إلى استمالة الناخبين عبر شراء الأصوات والبطاقات الانتخابية، كما تم اقتحام مكتبين وتكسير صناديق الاقتراع الخاصة بهما في مركز مدرسة حي العمالي بمدينة قفصة الجنوبية، التي قام شبابها بالعديد من المظاهرات والاحتجاجات خلال الشهور الماضية؛ بسبب ما يصفونه بالتهميش الذي يطولهم وعدم استفادتهم من برامج الحكومة التنموية.
وأوردت وكالة الأنباء التونسية أنه تم تهشيم صندوقى الاقتراع بالمكتب عدد 1 والمكتب عدد 3، في المحافظة، حيث قال رئيس المكتب إن أشخاصاً قاموا باقتحام المركز وتهشيم صندوقي اقتراع من مجموع 4 صناديق موجودة بالمركز.
وبعد هذه الحادثة، تجمعت بمدخل هذا المركز الذي تم إغلاقه، أعداد كبيرة من المواطنين الذين عبّروا عن استيائهم مما حصل من أخطاء بعدد من مراكز الاقتراع في مدينة المظيلة.
لأول مرة.. امرأة على رأس بلدية العاصمة
ومن المتوقع أن تفوز سعاد عبد الرحيم، (53 عاماً)، الطبيبة الصيدلانية وعضو المكتب السياسي في حركة النهضة، برئاسة بلدية تونس، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب عبر الانتخابات، رغم أن العديد من الصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي هاجمتها وسخرت من حملتها الانتخابية.
وقال القيادي في حزب النهضة لطفي زيتون، في تصريح له بعد فرز الأصوات، إن “النهضة فاز في الانتخابات، متقدماً على نداء تونس بفارق يصل إلى 5 في المائة”.
من جانبه، أقر القيادي في “نداء تونس” برهان بسيس بتقدُّم “النهضة” على “نداء تونس” بفارق من 3 إلى 5 في المائة.
كما أعلنت شركة استطلاع تونسية عن تقدُّم طفيف لحزب النهضة (27 في المائة) مقابل حزب “نداء تونس “(22 في المائة)، في حين حصل مجموع القوائم المستقلة على 28 في المائة، ولم تؤكّد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات هذه الأرقام بعد.
وقد شارك ثلث الناخبين المسجلين فقط في الانتخابات البلدية بتونس على الرغم من أنها الأولى منذ ثورة 2011، ما يمثل نسبة عزوف قياسية بدت فارقة في مسار الديمقراطية الناشئة ورسالة رفض وجهها الشباب الى السياسيين.
وتعد هذه الانتخابات رابع استحقاق انتخابي بعد ثورة الياسمين في تونس، وأفرزت نتائجها الأولية أول مجالس بلدية ستطبِّق ما جاء في قانون البلديات الذي صدَّق عليه البرلمان التونسي، وفقاً لدستور الثورة.